في كل مرة ترتفع فيها أسعار المحروقات، يتجدد نفس المشهد: سائق طاكسي غاضب يشتكي من التكلفة، ومواطن غاضب يشتكي من التسعيرة، ومسؤول صامت ينتظر أن تمر العاصفة. سائق الطاكسي اليوم عالق في معادلة مستحيلة: البنزين يحرق جيبه كل صباح، والقانون يمنعه من رفع التسعيرة، والزبون يرفض أي زيادة غير رسمية. فمن يدفع الثمن الحقيقي لهذا العبث؟
لنحسبها بلغة الأرقام التي لا تكذب. سائق الطاكسي الصغير في مدينة متوسطة كان يملأ خزانه بـ 200 درهم ليشتغل يوماً كاملاً قبل سنتين. اليوم،و نفس الخزان يكلفه 320 درهماً أو أكثر. فالفارق 120 درهماً يومياً، يعني 3600 درهم شهرياً اقتطعت مباشرة من قوت أبنائه.
في المقابل، نجد التسعيرة التي لم تتغير منذ سنوات. فالحد الأدنى للرحلة لا يزال 7 دراهم، والعداد يتحرك ببطء لا يواكب جنون الأسعار.و النتيجة: السائق يشتغل ساعات أطول ليحافظ على نفس الدخل، أو يلجأ إلى “النوار”: ويرفض الوجهات القصيرة، تكسير العداد، فرض زيادة شفوية. لانه لا يسرق، بل يحاول أن ينجو.
فيما نجد من الناحية الأخرى المواطن الذي هو الاخير أجرته لم ترتفع، وقدرته الشرائية تنهار. وعندما يركب الطاكسي يجد أن السائق يطلب 10 دراهم بدل 7، أو يرفض تشغيل العداد، وهنا يشعر أنه ضحية ابتزاز. ان الموظف الذي يركب الطاكسي مرتين يومياً سيدفع 120 درهماً إضافية في الشهر بسبب “الزيادة غير القانونية”.و بالنسبة له، فهذه ميزانية دواء أو كتب لأطفاله.
ان المواطن لا يرى خزان البنزين الفارغ، بل يرى فقط يده التي تفرغ من المال. والصراع حينها يتحول من صراع ضد الغلاء، إلى صراع بين فقير وفقير: السائق والزبون يأكلان بعضهما لأن الدولة تركت الحلبة فارغة.
ان الوزارة الوصية والجماعات المحلية تتعامل مع تسعيرة الطاكسي كأنها نص قرآني لا يتغير. و آخر مراجعة شاملة كانت قبل أن يتضاعف سعر البرميل عالمياً. فهذا تجميد ظالم يحول المهنة إلى خسارة مؤكدة.
اما فيما يخص “الدعم الاستثنائي” الذي تقدمه الحكومة للمهنيين يأتي متأخراً، قليلاً، وبيروقراطياً. السائق يملأ أوراقاً أكثر مما يملأ بنزيناً. دعم 2000 درهم كل ثلاثة أشهر لا يغطي حتى فارق أسبوع واحد من الزيادة.
وبالتالي تحرير أسعار المحروقات من جهة، وتجميد تسعيرة النقل من جهة ثانية، يعتبر انفصام في السياسات. و لا يمكن أن تترك البنزين للسوق العالمية وتترك الطاكسي لقانون 1980. فإما تحرر الاثنين، أو تدعم الاثنين.
عموما فإن سائق الطاكسي ليس لصاً، والمواطن ليس بخيلاً. كلاهما ضحية سياسة تركت الحبل على الغارب في أسعار المحروقات، وشدته على عنق تسعيرة النقل.و استمرار هذا الوضع يعني موت قطاع حيوي ودفع الناس نحو الفوضى.
ان الدولة التي حررت البنزين، عليها أن تحرر عقلها. إما أن تدعم، أو تسعر بعدل، أو تترك السوق ينظم نفسه بشروط. أما ترك السائق والزبون يتقاتلان كل صباح على درهمين، فهو فشل سياسي قبل أن يكون أزمة اقتصادية.


Comments
0