أصبح من الملاحظ اليوم داخل المشهد السياسي، سواء على مستوى الهيئات الحزبية أو المنتخبين، ذلك التحول السريع في الانتماءات السياسية. فبعد خمس سنوات قضاها منتخب ما نائبًا باسم حزب معين، نجده فجأة ينتقل إلى حزب آخر دون تقديم أي تفسير مقنع للناخبين الذين منحوه ثقتهم. فمن كان بالأمس اتحاديًا، يصبح اليوم “جرارًا”، ومن كان حركيًا يتحول إلى استقلالي، ومن كان منتميا إلى حزب التجمع الوطني للأحرار يلتحق بحزب الأصالة والمعاصرة أو غيره، وكأن الانتماء الحزبي مجرد لون يمكن تغييره حسب المصلحة والظروف.
هذا الواقع يطرح أكثر من سؤال حول معنى الالتزام السياسي، وحول مدى احترام المنتخب للإرادة الشعبية التي أوصلته إلى موقع المسؤولية. فالناخب حين يصوت لا يمنح صوته للشخص فقط، بل يختار أيضًا برنامجًا سياسيًا وتوجهًا فكريًا وحزبًا معينًا. وعندما يغيّر المنتخب انتماءه الحزبي بسهولة، فإنه في الحقيقة يضعف ثقة المواطن في العمل السياسي، ويجعل الكثيرين يعتبرون أن الأحزاب لم تعد فضاءات للمبادئ والقناعات، بل مجرد وسائل للوصول إلى المناصب.
كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: من يحاسب هؤلاء المنتخبين عن المرحلة التي قضوها داخل أحزابهم السابقة؟ ومن يتحمل مسؤولية الأخطاء أو الوعود التي لم تُنفذ؟ فبمجرد انتقال المنتخب إلى حزب جديد، يحاول الظهور بصورة المنقذ والمدافع عن المواطنين، وكأن السنوات التي قضاها في التسيير أو التدبير لا علاقة له بها. والأكثر غرابة أن بعض الأحزاب تستقبل هؤلاء وتمنحهم التزكية من جديد، رغم الانتقادات أو الاختلالات التي ارتبطت بتجربتهم السابقة، فقط لأنهم يملكون قاعدة انتخابية أو نفوذًا محليا.
إن هذا التنقل المستمر بين الأحزاب يساهم في تكريس صورة سلبية عن السياسة لدى المواطنين، خصوصًا فئة الشباب، الذين أصبح كثير منهم ينظر إلى العمل الحزبي باعتباره مجالًا للمصالح الشخصية أكثر منه فضاءً لخدمة الصالح العام. كما أن غياب المحاسبة السياسية والأخلاقية يشجع على استمرار هذه الممارسات، ويجعل مبدأ “تخليق الحياة السياسية” مجرد شعار يُرفع في المناسبات والخطابات دون أثر حقيقي على أرض الواقع.
إن تخليق الحياة السياسية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام إرادة الناخبين، ووضع حد لظاهرة الترحال السياسي التي أفقدت العمل الحزبي جزءًا كبيرًا من مصداقيته. فالديمقراطية الحقيقية تقوم على الوضوح والثبات في المواقف، وعلى الوفاء للبرامج والوعود، لا على تغيير الألوان السياسية كلما اقتضت المصلحة الانتخابية ذلك. لذا يجب العقوبة الزجرية والضرب على يد من حديد كل منتخب لم يلتزم بتخليق الحياة السياسية والكف عن هذا الترحال السياسي.


Comments
0