مقال: حين يصبح الكبش رفاهية: معاناة المغاربة مع أضحية العيد - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

مقال: حين يصبح الكبش رفاهية: معاناة المغاربة مع أضحية العيد

مع الحدث ma3alhadet

مع اقتراب عيد الأضحى، يتحول الحديث في البيوت المغربية من “كيف سنحي السنة” إلى “هل سنقدر عليها أصلاً؟”.  

شعيرة الأضحية التي شرعت تيسيرا وتوسعة على الناس، صارت اليوم امتحاناً قاسياً للقدرة الشرائية. الكبش لم يعد رمزاً للبركة والتقرب، بل صار مؤشراً على الوضع المادي للأسرة، ومن لم يستطع شراءه صار يشعر بالحرج وكأنه مقصر في دينه.

فكيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ ولماذا تحولت سنة مؤكدة إلى عبء يثقل كاهل الانسان.

ولم يعد الغلاء مفاجأة مرتبطة بأيام العيد فقط. أسواق المواشي تشتعل منذ شهور، وأثمان الأعلاف، والنقل، والأدوية البيطرية لا تتوقف عن الصعود.  

النتيجة أن ثمن خروف متوسط تجاوز قدرة أجير يتقاضى الحد الأدنى للأجور، فما بالك بأسرة تعيلها امرأة أو متقاعد أو عامل موسمي.

المفارقة أن الدولة تتدخل أحياناً بدعم الأعلاف وتخفيض الرسوم، لكن المستهلك البسيط لا يرى أثر ذلك في السوق. الوسيط يأخذ نصيبه، والمضارب يحتكر، والمواطن يدفع الثمن وحده.  

اذ تعتبر الأضحية في الأصل مشروطة بالاستطاعة: “من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا”. لكن اليوم اختلطت المعاني. 

أسر كثيرة تستدين، أو تؤجل مصاريف ضرورية كالتعليم والصحة، فقط لكي لا “تُحرج” أمام الجيران والأبناء. 

فصارت الشعيرة مصدر قلق بدل أن تكون فرحاً، وسبباً للديون بدل أن تكون صدقة وتوسعة.

وهنا يظهر تناقض مؤلم: كيف نحي سنة الرحمة والتكافل ونحن نغرق في القرض والهم؟

ولا يمكن إلقاء اللوم كله على “الجشع” أو على “المواطن المستهلك”. 

– فالدولة مطالبة بمراقبة فعلية للأسواق، وتشجيع تنظيم المهنة، وتفكيك شبكات الوسطاء الذين يرفعون الثمن دون قيمة مضافة.

– والمهنيون هم الاخرون مطالبون بالشفافية ورفض الاحتكار، فالربح المشروع لا يعني استغلال حاجة الناس.

– اما المجتمع فعليه إعادة تعريف معنى العيد. فالدين لم يربط القبول بالغلاء، بل بالنية والاستطاعة. ومن لم يضح اليوم لعجزه، لا ينقصه أجر إذا أحيى معنى التكافل بإطعام المحتاجين.

ولهذا فإن الخروج من المأزق لا يكون بشعارات، بل بإجراءات عملية تعيد التوازن:

كشراء الأضحية بالاشتراك أو عبر تعاونيات قروية تضمن ثمناً أقل وجودة مضمون.وكذا  ربط الفلاح الصغير مباشرة بالمستهلك عبر أسواق منظمة، دون المرور بسلسلة وسطاء. ثم التذكير بأن الأضحية سنة لمن استطاع، وأن إطعام الفقراء والصدقة الجارية في أيام العيد لها نفس روح التضحية.

و الكف  عن تحميل الناس ذنباً وهم غير مستطيعين، وتوضيح أن التيسير مقصد شرعي.

عموما فإن معاناة المغاربة مع أضحية العيد ليست مجرد أزمة أثمان. هي أزمة تصور. حين يتحول الكبش إلى معيار للكرامة الاجتماعية، نكون قد أفرغنا العيد من معناه الروحي والاجتماعي.

العيد الحقي هو أن يشعر الفقير أنه ليس وحده، وأن الغني يذكر حق الله في ماله، وأن الجميع يتقاسمون الفرح دون دين ولا إحراج.

هل سنستمر في رهن شعيرة رحمة بمنطق السوق، أم سنعيد لها معناها الأصلي: تيسيراً على المستطيع، ورحمة بالعاجز، وتكافلاً بين الجميع؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث