تخلد أسرة الأمن الوطني، يوم غد السبت 16 ماي، الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني. إنها مناسبة وطنية خالدة، تتجدد معانيها السامية لاستحضار مسيرة حافلة بالتفاني والتضحيات الجسام، والوقوف بفخر أمام الإنجازات النوعية التي رسخت مكانة جهاز الشرطة المغربية كنموذج إقليمي رائد في الأمن والانفتاح والتحديث المستمر.

ففي السادس عشر من ماي سنة 1956، تأسس جهاز الأمن الوطني ليكون صمام أمان للدولة الفتية، ودرعاً حصيناً لحماية النظام العام وممتلكات المواطنين، مكملاً بذلك مسار بناء المؤسسات السيادية بعد الاستقلال. ومنذ ذلك الحين، ظل شعار “الله – الوطن – الملك” نبراساً يوجه خطى هذه المؤسسة العتيدة، وعنواناً للإخلاص والوفاء.
من المفهوم الجديد للسلطة إلى ثورة التحديث
شكل إقرار “المفهوم الجديد للسلطة” في أكتوبر 1999 لحظة تأسيسية فارقة في فلسفة الأمن بالمغرب. فقد تم ربط مفهوم السلطة برعاية المصالح العمومية، وصون الحريات الفردية والجماعية، وتكريس السلم الاجتماعي. وبفضل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ترجمت هذه الفلسفة إلى تحولات عميقة مست البنيات والموارد البشرية واللوجستيك. واليوم، يُعد المغرب نموذجاً ملهماً في المقاربة الأمنية التشاركية، حيث نجح في تجاوز أزمات عصيبة كتفجيرات 16 ماي 2003 الإرهابية، وخرج منها أكثر قوة وتماسكاً بفضل تعاون وثيق بين الأجهزة الأمنية والمجتمع المدني والإعلام، مما دشن مرحلة جديدة من الإصلاحات العميقة.

تميز عالمي في تأمين المحافل الكبرى
ويتجسد هذا التطور المؤسساتي، بشكل استثنائي، في القدرة الفائقة على تأمين التظاهرات الرياضية والقارية الكبرى التي خاضها المغرب بنجاح باهر. ويبقى الحدث الأبرز هو تنظيم كأس أمم أفريقيا، الذي تابعته أنظار العالم بأسره. حيث شكل هذا العرس الكروي الضخم فرصة سانحة لإبراز الحنكة والجاهزية العالية للأمن الوطني، إذ أبهرت الخطط المحكمة والتنظيم الأمني المتقن الوفود المشاركة والجماهير الغفيرة.
ولم يكن هذا النجاح ليمر مرور الكرام على الصعيد الدولي، فقد سجلت التظاهرة حضوراً لافتاً لوفد رفيع المستوى من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI). لم يقتصر دور هذا الوفد على المراقبة، بل جاء خصيصاً للاطلاع عن كثب على التجربة المغربية الرائدة، ودراسة آليات التنسيق والتدخل الاستباقي المعتمدة. وقد أثمر هذا التفاعل عن وضع أسس شراكة استراتيجية واعدة لتبادل الخبرات والتكوين في مجالات مكافحة الإرهاب وتأمين المحافل الدولية الكبرى، مؤكداً أن الأمن الوطني لم يعد مجرد قوة لحماية الداخل، بل أصبح مدرسة رائدة تُصدر خبراتها المتميزة إلى العالم.
قفزة رقمية وبنيات حديثة: شرطة تواكب العصر
تحت القيادة المباشرة للسيد عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، دخلت المؤسسة عصر التحول الرقمي الشامل. وتبرز إنجازات سنة 2025 كشاهد قوي على هذه الدينامية، حيث تم تعميم بوابة “E-Police” للخدمات الإلكترونية، وتوسيع نطاق الاستفادة من البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية لتشمل المناطق النائية عبر 80 وحدة متنقلة، مما جنّب أكثر من 130 ألف مواطن ومواطنة عناء التنقل.
ولم تقتصر الجهود على الجانب الرقمي، بل شهدت البنية التحتية تطوراً لافتاً، حيث تستعد المديرية لافتتاح مقرها المركزي الجديد بالرباط، وهو صرح إداري متكامل يجمع كافة المصالح المركزية في فضاء مندمج. وفي خطوة تعزز الاستثمار في الرأسمال البشري، تم افتتاح المعهد العالي للعلوم الأمنية بمدينة إفران، كمركز أكاديمي رائد سيشكل منصة علمية لتطوير التكوين الشرطي العالي، وحاضنة للبحث العلمي الأمني على الصعيدين الوطني والقاري.

تعاون دولي واعتراف عالمي
أضحت الشرطة المغربية، بفضل احترافيتها العالية، علامة فارقة على المستوى الدولي. وتُوّجت هذه المكانة الرفيعة باحتضان مراكش لأشغال الدورة 93 للجمعية العامة لمنظمة الإنتربول، وهو اعتراف صريح بالدور المحوري للمغرب في تعزيز التعاون الأمني الدولي. وفي سياق متصل، يعكس طلب هيئة الأمم المتحدة تعزيز التعاون مع مصالح الأمن الوطني والاستفادة من خبرة الموارد البشرية المغربية في بعثات حفظ السلام حول العالم، الثقة الدولية الكبيرة في الكفاءات الأمنية المغربية.
منصات رقمية لمواجهة الجريمة الحديثة
ولمواكبة التهديدات المستجدة، وفي مقدمتها الجرائم السيبرانية، واصلت المديرية تطوير آليات مبتكرة، على رأسها منصة “إبلاغ”، التي تشكل آلية ناجعة للتبليغ عن المحتويات غير المشروعة على الإنترنت. وبالتوازي، تواصل فرق النخبة، وعلى رأسها المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، تحقيق ضربات استباقية نوعية، كان آخرها تفكيك خلية إرهابية خطيرة بمنطقة حد السوالم في يناير 2025، مما يؤكد اليقظة الدائمة والحنكة العالية في إفشال المخططات التي تستهدف أمن البلاد.
الانفتاح على المواطن: شراكة حقيقية
تجسيداً لشعار “فخورون بخدمة أمة عريقة وعرش مجيد”، دأبت المديرية على تنظيم أيام الأبواب المفتوحة، التي أصبحت موعداً سنوياً للقرب والتواصل المباشر مع المواطنين. وقد انطلقت دورتها السادسة بمركز المعارض محمد السادس بالجديدة، كتظاهرة كبرى تتيح للجمهور الاطلاع عن كثب على التجهيزات والمعدات المتطورة وآليات التدخل، مما يعزز جسور الثقة المتبادلة ويقرب المواطن من رجل الأمن الذي يسهر على راحته وسلامته.
إن الذكرى السبعين لتأسيس الأمن الوطني هي لحظة فخر واعتزاز بوطن ينعم بالأمن والاستقرار، بفضل تضحيات شهداء الواجب ويقظة جميع نساء ورجال الشرطة. وستبقى هذه المؤسسة، بقيادة حكيمة ورؤية استشرافية، درعاً حصيناً للوطن، وساهرة على أمنه، وماضية بثبات في مسيرة التحديث والريادة.


Comments
0