أسدل الستار، مساء الأحد 23 غشت 2026، على فعاليات المرحلة الصيفية من الدورة السابعة للمهرجان الدولي «أجذير إيزوران» بمدينة خنيفرة، بعد ثلاثة أيام حافلة بالعروض الفنية والتكريمات والاحتفاء بالتراث الأمازيغي، وسط حضور جماهيري لافت، في موعد بات يرسخ حضوره ضمن أجندة التظاهرات الثقافية والفنية بإقليم خنيفرة.
وجاء اختتام هذه الدورة تتويجاً لمسار انطلق مساء الجمعة 21 غشت، بحفل رسمي احتضنته القاعة الكبرى لعمالة إقليم خنيفرة، ترأسه عامل الإقليم، وشهد تكريم عدد من الوجوه البارزة في الفن والبحث والرياضة، قبل أن تنتقل فعاليات المهرجان إلى منصات السهرات الفنية، حيث تعاقبت فرق أحيدوس وأسماء فنية من مختلف الألوان والتجارب.
من خلال ما واكبه مرصد فزاز من فقرات الدورة، بدا واضحاً أن «أجذير إيزوران» لم يراهن على السهرة الفنية وحدها، بل حاول تقديم تصور أوسع للمهرجان، يجمع بين الفن، التراث، الذاكرة، التكريم، والصناعة الثقافية المحلية.فبعد الافتتاح الرسمي، توجه وفد ضم رئيس مؤسسة روح أجذير الأطلس وأعضاء إدارة المؤسسة وفاعلين جمعويين وصناعاً تقليديين إلى معرض للصناعات التقليدية والتعاونيات الفلاحية والحرف، وهو جانب يعكس محاولة ربط الثقافة بالاقتصاد المحلي وتثمين المنتوجات المجالية.وتؤكد معطيات منشورة حول المعرض أن التظاهرة عرفت مشاركة أكثر من 60 عارضاً يمثلون تعاونيات من إقليم خنيفرة ومختلف جهات المملكة، في فضاء خصص للتعريف بالمنتجات المحلية والفلاحية والصناعة التقليدية.
أما المنصة الفنية، فكانت على موعد مع تنوع كبير في الألوان والأسماء.
في السهرة الأولى حضرت فرق أحيدوس، إلى جانب عدد من الفنانين والموسيقيين، فيما حملت السهرة الثانية توقيع أسماء من بينها بوعزة العربي، عزيز أمالو، مصطفى الصغير، فاطمة فزاز، وسعيد الصنهاجي، حيث استعاد بوعزة العربي أجواء الأغنية الكلاسيكية المرتبطة بسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فيما استحضر عزيز أمالو، الذي عايش الراحل محمد رويشة، بعضاً من أغانيه بلمسته الخاصة.
كما وجد الجمهور في أداء مصطفى الصغير للألحان الشعبية والتراثية مساحة واسعة للتفاعل، بينما قدمت فاطمة فزاز نماذج من العيطة الزيانية، متنقلة بين الأمازيغية والدارجة، قبل أن يختتم سعيد الصنهاجي السهرة بإيقاعات وأغان شعبية مغربية ذات نفس شبابي.
وفي اليوم الثالث، واصلت البرمجة انفتاحها على ألوان مختلفة، من أحيدوس إلى الأغنية الأمازيغية الكلاسيكية والتراث الحساني، بمشاركة أسماء من بينها فاطمة الزمورية (العكري)، لحسن عبوزان، مصطفى الكمرائي ونعيمة كودة.وبذلك تحولت المنصة إلى مساحة لالتقاء أجيال وتجارب فنية مختلفة، وهو ما ينسجم مع الصورة التي رسمتها التظاهرة لنفسها باعتبارها مناسبة لإعادة وصل الحاضر بالذاكرة الفنية والثقافية للمنطقة.ومن أبرز لحظات الدورة، تكريم عدد من الوجوه التي راكمت حضوراً في مجالات الفن والبحث والرياضة، وهي خطوة تكتسب دلالتها من كونها تعيد الاعتبار إلى أشخاص أسهموا في صناعة الذاكرة المحلية والوطنية.
وكان من بين المكرمين الفنانة فاطمة أومارش، المعروفة فنياً بـ«تيطڤيط»، وهي واحدة من الأسماء التي عايشت مرحلة مهمة من مسار الأغنية الأمازيغية بالأطلس المتوسط، وقد أعاد هذا التكريم فتح صفحة من تاريخ الفنانة، التي ارتبط اسمها بجيل من رواد الأغنية الأمازيغية، وبأسماء من بينها الراحل محمد رويشة والفنان بوعزة العربي، كما أعاد إلى الواجهة سؤالاً أوسع يتعلق بمصير الفنانين الذين أفنوا سنوات من حياتهم في خدمة التراث ثم وجد بعضهم نفسه في ظروف اجتماعية قاسية.وهنا تبدو قيمة التكريم أكبر من لحظة تسليم درع أو شهادة، لأنه يساهم في إعادة الفنان إلى الذاكرة العمومية قبل أن يتحول إلى مجرد اسم في أرشيف الماضي.
اللافت في هذه الدورة أن المهرجان قدم نفسه في أكثر من واجهة، فإلى جانب السهرات، كان هناك المعرض والمنتوج المجالي والصناعة التقليدية والتعاونيات، فضلاً عن التكريمات والاحتفاء بالتراث اللامادي.
وتشير التغطيات الإعلامية التي واكبت الدورة إلى أن المهرجان يسعى إلى تعزيز التواصل بين الأجيال، وربط الماضي بالحاضر، وإبراز غنى الموروث الثقافي الأمازيغي لمنطقة الأطلس المتوسط، مع الانفتاح على مختلف التعبيرات الثقافية المغربية. وهذا البعد هو الذي يمكن أن يمنح «أجذير إيزوران» قيمة تتجاوز عدد الفنانين المشاركين أو حجم الجمهور، لأن الرهان الحقيقي لأي مهرجان ثقافي هو قدرته على ترك أثر يتجاوز أيامه الثلاثة.
وفي ختام السهرة الثالثة، توجه رئيس مؤسسة روح أجذير الأطلس بكلمة شكر وامتنان إلى مختلف المساهمين في إنجاح هذه الدورة، من فنانين وفرق وفاعلين وشركاء وأطر تنظيمية وجمهور، في لحظة اختزلت روح الدورة التي قامت على العمل الجماعي والاحتفاء بالثقافة والذاكرة.
وبإسدال الستار على السهرات الفنية، لم يكن الوداع نهائياً، إذ حمل ختام الدورة رسالة مفادها أن موعد «أجذير إيزوران» سيتجدد خلال الخريف المقبل، مع الدورة الفضية، بما يجعل ختام المرحلة الصيفية أشبه بمحطة أولى ضمن موسم ثقافي أوسع للمؤسسة والمهرجان.
وإذا كانت الدورة السابعة قد وضعت خنيفرة، على مدى ثلاثة أيام، تحت أضواء الفن والثقافة والتراث، فإن الرهان المقبل سيكون أكبر: كيف يمكن تحويل هذا الزخم إلى موعد ثقافي مستدام، وإلى مشروع قادر على توثيق الذاكرة، دعم الفنانين، تثمين التراث، وربط الثقافة بالتنمية المحلية؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي سيواجه «أجذير إيزوران» في محطته المقبلة.
من خنيفرة، انتهت السهرات، لكن حكاية أجذير إيزوران لم تنته.. موعد آخر ينتظر الخريف..








Comments
0