الانتخابات .... امتحان المواطن قبل أن تكون امتحان السياسي | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |الواجهة

الانتخابات …. امتحان المواطن قبل أن تكون امتحان السياسي

IMG_20260829_025414

الانتخابات… امتحان المواطن قبل أن تكون امتحان السياسي

✍️ هند بومديان

ليست الانتخابات مجرد موعد دوري تتزين فيه المدن بالملصقات، وتمتلئ فيه الشوارع بالشعارات، ثم ينتهي كل شيء بإغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج. الانتخابات، في معناها الأعمق، لحظة يكشف فيها المجتمع عن مستوى وعيه السياسي، وعن حجم انتظاراته، وعن مدى ثقته في المؤسسات وفي من يطلبون تمثيله.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيفوز؟
بل: ماذا سيحدث بعد الفوز؟

في كل استحقاق انتخابي، ترتفع أصوات كثيرة تعد بالتغيير، وتحضر خطابات تتحدث عن المستقبل، وعن الشباب، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، وتحسين الخدمات. لكن المواطن لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى إجابات واضحة: ما المشروع؟ ما الأولويات؟ وما الذي يمكن تحقيقه فعلًا؟

لقد أصبح الناخب أكثر حاجة إلى المعلومة من حاجته إلى الخطاب العاطفي. يريد أن يعرف من أمامه، ماذا قدم سابقًا، وما الذي يستطيع أن يقدمه لاحقًا، ومن أين سيأتي بالحلول والموارد، وكيف سيحاسب نفسه إذا أخفق.

وهنا تظهر مسؤولية الأحزاب والمرشحين.

فالسياسة لا ينبغي أن تكون موسمًا قصيرًا يبدأ قبل الانتخابات وينتهي بعدها. المسؤولية السياسية الحقيقية تبدأ قبل الوصول إلى المنصب، من خلال إعداد البرامج والكفاءات، وتستمر بعد الفوز من خلال العمل والمراقبة والإنصات للمواطنين.

لكن في المقابل، لا يمكن أن نحمّل السياسي وحده مسؤولية كل شيء.

الناخب جزء من المعادلة.

فحين يصبح الاختيار قائمًا على القرب العائلي، أو الصداقة، أو الانتماء، أو المنفعة الشخصية، فإن العملية الانتخابية تفقد جزءًا مهمًا من معناها. وحين يقاطع المواطن الانتخابات احتجاجًا على الواقع، فهو لا يخرج بالضرورة من المعادلة؛ بل قد يترك للآخرين فرصة أكبر لتحديد النتيجة.

المشاركة السياسية لا تعني بالضرورة الإعجاب بكل المرشحين، كما أن التصويت لا يعني منح ثقة مطلقة. يمكن للمواطن أن يختار الأقل سوءًا، أو الأكثر قدرة، أو البرنامج الأقرب إلى قناعاته، لكنه في جميع الحالات مطالب بأن يختار بناءً على المعرفة لا الانفعال.

والأهم أن الديمقراطية لا تنتهي في اليوم الموالي للانتخابات.

بل تبدأ.

فمنح الصوت ليس نهاية العلاقة بين المواطن والمسؤول، وإنما بدايتها. ومن حق المواطن بعد ذلك أن يسأل: ماذا تحقق من الوعود؟ أين وصلت المشاريع؟ لماذا تأخر هذا القرار؟ وكيف تُدبّر الموارد العامة؟

إن المسؤول المنتخب ليس فوق المجتمع، وإنما يعمل بتفويض منه.

ومن هنا، فإن بناء ثقافة انتخابية سليمة يتطلب الانتقال من سؤال «من تعرف؟» إلى سؤال «ماذا يستطيع أن يفعل؟»، ومن سؤال «ماذا سأستفيد أنا؟» إلى سؤال «ماذا سيستفيد المجتمع؟».

فالانتخابات التي تُبنى على المصالح الصغيرة قد تنتج مكاسب مؤقتة، لكنها لا تصنع مستقبلًا. أما الانتخابات التي تقوم على الوعي والاختيار المسؤول، فهي قادرة على إنتاج مؤسسات أقوى وثقة أكبر بين المواطن والدولة.

وربما حان الوقت لكي نتوقف عن النظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد صراع بين مرشحين، وأن ننظر إليها باعتبارها عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين المواطن ومن يطلب صوته.

المواطن يمنح صوته، والسياسي يتحمل المسؤولية.

وبين الاثنين توجد كلمة واحدة لا ينبغي أن تغيب: المحاسبة.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يفوز مرشح لا نؤيده، وإنما أن يفوز دون أن نعرف لماذا اخترناه، وماذا ننتظر منه، وكيف سنحاسبه.

فالانتخابات لا تصنع الديمقراطية وحدها.

الديمقراطية يصنعها ناخب واعٍ، وسياسي مسؤول، ومؤسسات تحترم القانون، ومجتمع لا يتذكر السياسة يوم الاقتراع فقط.

ولهذا، فإن كل انتخابات هي في الحقيقة امتحانان متزامنان:
امتحان للذين يطلبون أصوات الناس، وامتحان للناس أنفسهم في كيفية استعمال أصواتهم.

والنتيجة الحقيقية لا تظهر ليلة إعلان النتائج… بل تظهر في السنوات التي تليها.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث