مع اقتراب كل استحقاق انتخابي،تتجدد النقاشات حول البرامج والمرشحين وأولويات المرحلة، وتزداد الحاجة إلى نقاش عمومي هادئ ومسؤول يساعد المواطن على فهم الاختيارات المطروحة أمامه.
فالانتخابات ليست فقط مناسبة للتصويت، وإنما محطة للتفكير في مستقبل تدبير الشأن العام، وفي الأشخاص والبرامج القادرة على ترجمة انتظارات المواطنين إلى مبادرات ومشاريع قابلة للتنفيذ.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول مستوى الخطاب الانتخابي وطريقة تقديم المرشحين لأنفسهم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تشكيكاً في العملية الانتخابية أو في المؤسسات، بل باعتباره جزءاً طبيعياً من النقاش الديمقراطي الذي يساهم في تطوير الممارسة السياسية وتعزيز ثقة المواطن في المؤسسات.
من الشعارات إلى الأسئلة العملية
خلال الحملات الانتخابية، تتكرر عبارات من قبيل محاربة الفساد، الدفاع عن المواطن، تحسين الخدمات، وتشجيع التنمية. وهي أهداف مشروعة تتقاطع حولها مختلف التوجهات السياسية.
غير أن أهمية أي خطاب انتخابي لا تقاس فقط بجاذبية عباراته، وإنما بقدرته على الإجابة عن أسئلة المواطن العملية:
ما المشروع المقترح؟
ما الأولويات؟
ما الإمكانيات المتاحة لتنفيذه؟
ما الآجال الواقعية؟
وكيف يمكن قياس النتائج ومساءلة المنتخبين عنها؟
فالبرنامج الانتخابي الحقيقي ليس مجموعة من العبارات العامة، وإنما تصور واضح لما يمكن إنجازه، في حدود الاختصاصات والإمكانيات القانونية والمالية المتاحة.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب والمرشحين في تقديم خطاب أكثر وضوحاً، ومسؤولية المواطن في قراءة هذا الخطاب ومقارنته بما هو ممكن وواقعي.
اختيار المرشح جزء من جودة العملية الانتخابية
لا يقل اختيار المرشحين أهمية عن البرامج التي تقدمها الأحزاب.
فالحزب لا يقدم للمواطن ورقة انتخابية فقط، وإنما يقدم أيضاً أشخاصاً سيحملون اسمه ويمثلون توجهاته أمام المواطنين.لذلك، فإن اعتماد معايير واضحة في التزكية يمكن أن يساهم في تعزيز الثقة في العمل السياسي، خصوصاً عندما ترتبط هذه المعايير بالكفاءة، والقدرة على التواصل، والاستعداد لتحمل المسؤولية، والنزاهة، ومعرفة قضايا المجتمع المحلي.
ولا يعني ذلك اختزال الكفاءة في المستوى الدراسي أو في الشهادات، فالتجربة المهنية والاجتماعية والقدرة على فهم الواقع المحلي عناصر مهمة أيضاً.
لكن المطلوب هو أن يكون اختيار المرشح مبنياً على مجموعة متوازنة من المعايير، لا على عامل واحد فقط، سواء كان الشهرة أو النفوذ الاجتماعي أو القدرة على استقطاب الأصوات.
التزكية مسؤولية سياسية
تكتسي عملية التزكية أهمية خاصة لأنها تمثل المرحلة التي تختار فيها الأحزاب الأشخاص الذين سيقدمون أنفسهم للناخبين.
ومن الطبيعي أن ينتظر المواطن من مختلف التنظيمات السياسية أن تكون اختياراتها منسجمة مع المبادئ التي تعلنها في برامجها وخطاباتها.
فمن يتحدث عن الكفاءة ينبغي أن يترجم ذلك إلى معايير واضحة في اختيار المرشحين، ومن يجعل النزاهة عنواناً لخطابه ينبغي أن يوليها مكانتها في عملية التزكية، ومن يدعو إلى تجديد النخب ينبغي أن يفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات القادرة على تقديم إضافة حقيقية.
وهذا لا يتعلق بحزب دون آخر، وإنما يمثل تحدياً مشتركاً أمام مختلف الفاعلين السياسيين.

الحملة الانتخابية ليست فقط صورة ومقطع فيديو
أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من التواصل السياسي، وهو تطور طبيعي يفرضه تغير طرق تواصل المواطنين، خصوصاً الشباب.
لكن وسائل التواصل ينبغي أن تكون وسيلة لشرح البرنامج والتواصل مع المواطنين، وليس بديلاً عنه.
تنظيم نشاط رياضي، أو لقاء مع الشباب، أو نشر صور ميدانية، يمكن أن يكون جزءاً من حملة انتخابية حيوية وقريبة من المواطنين. غير أن قيمة هذه الأنشطة تزداد عندما تكون مرتبطة برؤية واضحة حول قضايا الشباب والرياضة والتكوين والتشغيل والتنمية المحلية.
المشكلة ليست في الصورة أو النشاط، وإنما في أن تصبح الصورة هي الرسالة الوحيدة.
فالمواطن يحتاج إلى معرفة ما وراء الصورة:
ما الرؤية؟
وما المشروع؟
وما الالتزامات؟
الخطاب السياسي والمسار السابق
من العناصر التي يمكن للمواطن أن يأخذها بعين الاعتبار أيضاً مقارنة الخطاب الانتخابي الحالي بالمسار السابق للمرشح.
فالماضي المهني والسياسي والاجتماعي يمكن أن يقدم مؤشرات مهمة تساعد الناخب على فهم طريقة تفكير المرشح وأولوياته، دون أن يعني ذلك إصدار أحكام مسبقة أو إغلاق باب التغيير أمام أي شخص.كما أن تغير المواقف السياسية أمر طبيعي، لكن الشفافية في تفسير هذا التغير تظل عاملاً مهماً في بناء الثقة.
ومن هنا، فإن المواطن الواعي لا يكتفي بما يسمعه خلال أيام الحملة، وإنما يحاول قدر الإمكان أن ينظر إلى الصورة كاملة:
البرنامج، والمسار، والخبرة، والحضور الميداني، والقدرة على التواصل، ومدى واقعية الوعود.
دور المواطن: من المتلقي إلى الشريك
نجاح العملية الانتخابية لا يتوقف على الأحزاب والمرشحين وحدهم.
للمواطن دور أساسي أيضاً.فالمشاركة الواعية تعني ألا يكون التصويت مبنياً فقط على القرابة أو الصداقة أو الانتماء العائلي أو تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما على قراءة متأنية لما هو معروض من برامج ومرشحين.كما أن المواطن ليس مطالباً بتصديق كل وعد، ولا برفض كل خطاب، وإنما بطرح الأسئلة ومقارنة الإجابات.
ومن المهم كذلك ألا يتحول الاختلاف السياسي إلى خصومة شخصية، لأن التعدد في الآراء جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، والهدف النهائي من المنافسة الانتخابية هو الوصول إلى مؤسسات أكثر قدرة على خدمة المواطنين والاستجابة لانتظاراتهم.
أحزاب قوية ومرشحون مؤهلون ومواطن واعٍ
إن تطوير الممارسة الانتخابية مسؤولية مشتركة.
الأحزاب مطالبة بتطوير برامجها، وتحسين طرق التواصل، واعتماد معايير أكثر وضوحاً في اختيار مرشحيها.
والمرشح مطالب بأن يقدم نفسه للمواطن باعتباره شخصاً مستعداً لتحمل المسؤولية، لا مجرد صاحب حضور انتخابي مؤقت.
والمواطن مطالب بدوره بأن يمارس حقه في الاختيار بوعي، وأن ينظر إلى ما وراء الشعارات والصور والأنشطة الظرفية.
وبهذا المعنى، فإن النقاش حول جودة البرامج ومعايير اختيار المرشحين لا ينبغي أن يكون مصدر توتر، بل فرصة لتطوير الممارسة السياسية وتعزيز الثقة في المؤسسات.
فالهدف ليس التشكيك في الانتخابات، ولا في الأحزاب، ولا في المؤسسات، وإنما المساهمة في جعل المنافسة الانتخابية أكثر ارتباطاً بالبرامج والكفاءة والقدرة على خدمة المواطن.
وفي النهاية، يبقى القرار للمواطن، وهو قرار يستحق أن يُبنى على المعرفة والمقارنة والوعي، بعيداً عن الانفعال وعن تأثير الشعارات العابرة.
فالانتخابات الأقوى ليست بالضرورة التي ترتفع فيها الأصوات أكثر، وإنما التي يكون فيها المواطن أكثر قدرة على التمييز بين الوعد والبرنامج، وبين الحضور الإعلامي والقدرة على تحمل المسؤولية.


Comments
0