في تصريح أثار جدلاً واسعاً، دعا رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى “ضرورة دخول الشناقة لسوق الأغنام” لضبط الأسعار وتوفير العرض. الجملة تبدو في ظاهرها براغماتية: اعتراف بواقع موجود، ومحاولة لإدماجه بدل إنكاره. لكن في جوهرها، هي اعتراف ضمني بفشل السياسة العمومية. فمنذ متى أصبح الوسيط غير المنظم جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكل؟يعتبر “الشناق” في الوعي المغربي ليس تاجراً. هو الوسيط الذي يشتري من الكساب الصغير في السوق القروي بأبخس ثمن، ويبيع للمستهلك في المدينة بأعلى ثمن، دون أن يقدم قيمة مضافة حقيقية. هو الحلقة التي تربح دون أن تنتج.لسنوات، كان الشناق هو الشماعة التي تعلق عليها الحكومات المتعاقبة غلاء اللحوم. اليوم، يطلب منا رئيس الحكومة أن نرحب به ونمنحه بطاقة دخول رسمية. التحول مفاجئ، والرسالة متناقضة: بالأمس عدو المواطن، واليوم شريك في التنظيم.ان تصريح أخنوش يكشف ثلاث حقائق مرة:1. *فشل التنظيم الرسمي*: الدولة فشلت في إنشاء أسواق منظمة، وفي بناء سلاسل توريد مباشرة من الكساب إلى المستهلك. فبدل أن تصلح المنظومة، قررت تقنين الفوضى وإلباسها بذلة قانونية.2. *غياب المعلومة*: سوق الأغنام في المغرب لا يزال سوقاً عشوائياً بلا أرقام، بلا بورصة أسعار، بلا تتبع. الشناق ينجح لأنه يملك المعلومة والسيولة. والكساب الصغير يخسر لأنه يملك الأغنام فقط. والحكومة بدل أن توفر المعلومة للكساب، تقول له: تحالف مع الشناق. بدل أن تغير الواقع، تسلمت له. هذا منطق خطير. غداً سنقول: بما أن البناء العشوائي موجود، فلنمنحه رخصة. وبما أن النقل السري موجود، فلنعترف به.على المدى القصير، قد يخلق دخول الشناق المنظم حركة أسرع للبيع وسيولة أكبر للكساب. لكن على المدى المتوسط، الكارثة مؤكدة:- *احتكار جديد مقن*: الشناق المنظم سيتحول إلى شركة احتكار. سيفرض شروطه على الكساب الصغير، ويتحكم في العرض، ويضبط السعر لصالحه. الفرق أنه سيحمل الآن خاتماً رسمياً.- *إقصاء الكساب الصغير*: الكساب الذي يملك 20 رأساً لن يقدر على منافسة شبكة شناقة منظمة لها تمويل ولوجستيك. النتيجة: إفلاس صغار الكسابة وتركز الثروة في يد قلة.- *استمرار الغلاء*: الشناق لا يخفض السعر. دوره هو الربح من الفارق. تقنينه لن يلغي هامش ربحه، بل سيضيف له كلفة الضريبة والرسم، التي سيدفعها المواطن في الأخير.*رابعاً: الحل الحقي لا يمر عبر تقنين الوسيط* إذا كانت المشكلة هي غلاء اللحوم، فالجذر ليس في “غياب الشناق”. الجذر في أربعة أعطاب:1. *كلفة الإنتاج*: العلف مستورد وغالي، الماء نادر، الأدوية مكلفة. الكساب يبيع بخسارة إذا لم يرفع الثمن.2. *غياب أسواق القرب*: الكساب الصغير مضطر ليبيع في سوق بعيد يسيطر عليه الوسطاء. الحل هو إنشاء أسواق جهوية مجهزة تربط الكساب مباشرة بالمستهلك.3. *غياب المعلومة*: تطبيق وطني يعطي أسعار الأغنام في كل سوق جهوي يومياً سيقتل احتكار المعلومة أكثر من ألف شناق منظم.4. *دعم موجه*: بدل دعم الاستيراد الذي يضرب الكساب المحلي، دعم مباشر للأعلاف والتلقيح للكساب الصغير.ان هذه هي إجراءات البطل الذكي. أما دعوة الشناق للدخول، فهي مسكن لا علاج. المفارقة أن الحكومة نفسها تحارب “الوسطاء” في قطاعات أخرى: في الخضر والفواكه، في مواد البناء. وتعتبرهم سبب الغلاء. فلماذا يصبح الوسيط في الأغنام فجأة “ضرورة اقتصادية”؟ الجواب بسيط: لأن قطاع الأغنام حساس سياسياً واجتماعياً. مع قرب العيد، الخوف من احتجاجات وغضب شعبي يجعل الحكومة تختار الحل السريع على الحل الصحيح. إنه تدبير للأزمة، لا تدبير للقطاع.ختاما يفضي بنا القول الى ان تقنين الشناقة ليس سياسة اقتصادية، بل هو استسلام. هو قول صريح بأن الدولة عاجزة عن تنظيم سوق حيوي، ففضلت تأطير الفوضى بدل خلق النظام.المواطن لا يريد شناقاً منظماً. المواطن يريد لحماً بثمن معقول. والكساب لا يريد وسيطاً مرخصاً. الكساب يريد سوقاً عادلة تربحه ولا تخسره.إذا كانت الحكومة جادة، فعليها أن تسأل: لماذا يحتاج الكساب للشناق أصلاً؟ والإجابة على هذا السؤال هي بداية الحل الحقي. أما الباقي فهو تجميل للوجه القبيح للفشل.
أخنوش والشناقة: عندما يصبح السماسرة “حلاً” لأزمة يصنعها غياب التنظيم


Comments
0