لم تعد ألعاب الأطفال حكرا على الكرة والدمية. اليوم، ملايين الأطفال يقضون ساعات أمام شاشات تعرض بنادق، رشاشات، وانفجارات. القتل فيها متعة، والفوز يعني إسقاط أكبر عدد من “الأعداء”. يقول البعض: “مجرد لعبة، الطفل يميز بين الواقع والخيال”. لكن علم النفس والتربية لهما رأي آخر. فهل نحن نصنع جيلاً من المحاربين الافتراضيين بلا أن ندري؟
ان الألعاب القتالية لا تمر مرور الكرام على دماغ في طور التكوين،بل اثر سلبا عليه اذ انه عندما يطلق الطفل 100 رصاصة في الدقيقة ليحصل على نقاط، يتحول القتل من فعل شنيع إلى مهارة ممتعة. الخطير أن الدماغ لا يفرق دائماً بين المتعة الافتراضية والقيمة الأخلاقية. تكرار المشهد يخلق “تبلداً عاطفياً”، فيصبح منظر الدم والصراخ عادياً لا يستفز.
ففي الحياة مثلا نجد أن الضرب ممنوع والعقاب حاضر،اما في اللعبة، يصبح الضرب يكافأ بنقاط،و بأسلحة جديدة،و برتبة أعلى.اما الطفل فيتعلم قانوناً معكوساً: “كلما كنت أكثر عنفاً، صعدت أسرع”.و هذا يضرب مبدأ السبب والنتيجة الذي نربي عليه أبناءنا.
ان الألعاب الحربية تقدم حلاً واحداً لكل مشكلة: أطلق النار. لا حوار، لا تفاوض، لا تراجع. الطفل الذي يدمن هذه الألعاب قد يحمل لا وعياً هذه القاعدة إلى ساحة المدرسة. الخلاف مع زميله لا يحتاج كلاماً، يحتاج “قوة”.
الخطر ليس أن يتحول كل طفل إلى مجرم. فالخطر أذكى وأهدأ. اذ يظهر في سلوكيات يومية ننسبها لـ”شقاوة” وهي أعمق:
ان مشاهد المطاردة والانفجارات ترفع الأدرينالين. الطفل ينام وجسده في حالة استنفار، فيستيقظ مفزوعاً أو يعاني كوابيس فقد أثبتت الدراسات أن المفرطين في ألعاب القتال يظهرون استجابة عاطفية أقل عند رؤية شخص يتألم حقيقة. “التعاطف” عضلة، وهذه الألعاب لا تمرنها.
ان الطفل يلتقط لا إرادياً لعبارات التهديد من اللعبة، ويعيد تمثيل حركات القنص والذبح مع إخوته أو ألعابه. البيت يتحول الى ساحة حرب مصغرة.
وبالتالي فالمتعة العالية التي يمنحها الفوز في اللعبة تجعل الدراسة واللعب الحقيقي والحديث مع الأسرة “مملة”. وهنا الطفل ينسحب تدريجياً لعالمه الافتراضي.
لكن بعض الآباء يظنون أن اللعب على الهاتف افضل من اللعب مع الاصدقاء في الحي وهذا نصف الحقيقة. نعم، لان اللعب يفرغ طاقته، لكن السؤال: أي طاقة، وبأي طريقة؟
هناك فرق بين أن تفرغ طاقة ابنك في كرة القدم فيتعلم الروح الرياضية والعمل الجماعي، وبين أن يفرغها في قتل افتراضي فيتعلم أن الخصم يجب أن يباد. الأولى تبني، والثانية تهدم. الحل ليس المنع المطلق، بل التوجيه.
اننا لا نستطيع حجب الإنترنت ولا كسر كل الشاشات. لكن نستطيع أن تحمي اطفالنا بما تربينا عليه وما تعلمناه من لعب في صغرنا كانت نقطة توطيد العلاقة بيننا وبين اطفال الحي.
فليس كل لعبة سلاح ممنوع ،والفرق بين اللعبة الحربية الدموية مصنفة +18، ولعبة كرتونية خيالية. و اقرأ التصنيف العمري PEGI. ما لا تسمح به قاعة السينما لابنك، لا تسمح به في غرفته.ان ساعة لعب مقابل ساعتين نشاط حقيقي.و اتفاق واضح: لا ألعاب قبل إتمام الواجبات، ولا ألعاب قبل النوم بساعتين. والطفل الذي يشبع من اللعب الحقيقي، تقل شراهته للافتراضي.
فاجلس مرة بجانبه وهو يلعب. واسأله: “من هؤلاء؟ لماذا تقتلهم؟ ماذا تشعر عندما تفوز؟”. حوّل اللعبة من استهلاك صامت إلى نقاش قيمي. حينها يعرف أنك ترى، واكيد سيختار ما يشاهده.: لا تقل “أغلق اللعبة” وتصمت. قل “أغلق اللعبة لنلعب معاً، لنخرج، لنصنع”. الفراغ هو الذي يستدعي الشاشة. املأ وقت ابنك، تملأ عقله،ان ماوقع في بلد تركيا يبرز عدم اهتمام الاباء بأبناءهم وخلق حوار كل يوم معهم وكسر حاجز الهاتف.
خلاصة يفضي بنت القول ان ألعاب السلاح ليست شيطاناً، لكنها ليست ملاكاً أيضاً. بل هي سلاح ذو حدين، والحد الحاد موجه لعقل طفلك. تجاهل تأثيرها سذاجة، وشيطنتها المطلقة جهل. المطلوب وعي الأهل: أن نفهم أننا لا نشتري لابننا لعبة، بل نشتري له ساعات من البرمجة العقلية.
ان الطفل الذي يقتل في اللعبة اليوم دون أن يرف له جفن، قد يكبر غداً وهو يعجز عن التعاطف مع زميل يبكي. والرهان ليس على منع السلاح الافتراضي، بل على تربية طفل يملك من القيم ما يجعله يضعه جانباً عندما تنتهي اللعبة.


Comments
0