الزاوية البوعزاوية… حين تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة: سيرة الشيخ المجاهد محمد بن الطيب البوعزاوي
في الزاوية البوعزاوية “بالمجني” بأولاد سعيد،حيث تختلط رائحة التراب بالذكر،ويلتقي تاريخ المقاومة بنبض التصوف،يستعيد الباحثون سيرة رجل قلّما أنجبت المغرب مثله:الشيخ محمد بن الطيب البوعزاوي، ذلك الفقيه النبيه،والناسك المتصوف،والمقاوم الذي لم يترك سلاح العلم ولا سلاح الجهاد.

من أمزاب إلى الشاوية.. نشأة في بيت العلم والفضل
ينتمي الشيخ محمد بن الطيب بن أحمد بن الجيلالي البوعزاوي إلى بيت شريف إدريسي، وُلد حوالي سنة 1850م (1268هـ) بدوار البهالة بقبيلة أمزاب،في أسرة عُرفت بالعلم والصلاح،فقد كان والده،مولاي الطيب،فقيها صوفيا ورعا،يُفزع إليه أهل الشاوية عند النوائب،غير أن القدر اختطفه باكرا،وترك ابنه محمدا يتيما لم يتجاوز العاشرة.
نشأ الشيخ في كنف زاوية جده الروحي،فحفظ القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة على يد والده،ثم شد الرحال إلى الفقيه مولاي التهامي الجبلي الوزاني بمدينة سطات،حيث لازمه وقرأ عليه،قبل أن يغادر إلى مدينة فاس سنة 1294هـ/1877م،ليرتوي من معين جامع القرويين،ويأخذ عن كبار علمائها علوم النحو، والتوحيد، والحديث،والفلك،وعلوم القرآن.
غير أن مقامه بفاس لم يطل،إذ عاد بعد أقل من عام إلى أرض أمزاب،حيث كانت تنتظره مهام كبرى،وفي تلك الفترة،اشتغل كاتبا عند القايد الحاج أحمد العريفي،وهي تجربة مكنته من بناء علاقات متينة مع رجالات المخزن،لكنه سرعان ما انحاز إلى طريق التصوف،فأسس زاويته الأولى في الشاوية،لكن ظروف الاضطراب والحركات العقابية حالت دون استقرارها،فانتقل إلى منطقة “أولاد سعيد”،وهناك أسس زاويته البوعزاوية التي أصبحت قبلة المريدين ومنارة للعلم والتربية.
منهج تربوي متكامل.. بين التخلي والتحلي والتجلي
يكشف الباحثون في تراث الشيخ البوعزاوي عن منهج تربوي فريد، تجلى بوضوح في رسالته “المريد في منهل أهل التجريد”،فالشيح لم يترك مريديه هملا،بل رسم لهم خريطة روحية دقيقة تقوم على ثلاث محطات متكاملة:التخلي عن الرذائل،ثم التحلي بالفضائل، وصولا إلى مقام التجلي الروحي.
وفي هذا السياق، يؤكد الأستاذ محمد نعايم،الباحث في التاريخ والتصوف،أن الشيخ استطاع أن يجمع في منهجه بين صرامة المعقول وسعة المنقول،وبين دقة الذوق وصدق الوجدان، ليربي إنسانا متوازنا يرفض الانفصام بين العلم والعمل،ففي نظر الشيخ،لا قيمة لعلم لا يترجم إلى سلوك، ولا لعمل يفتقر إلى بصيرة،
ويتفق معه الأستاذ حكيم الفضيل الإدريسي،من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء،في التأكيد على أن التصوف في مسار الشيخ البوعزاوي لم يكن بمعزل عن أحكام الدين، بل قام على معادلة دقيقة بين ظاهر الشريعة وباطنها،جاعلا الغاية الكبرى هي تربية النفوس وتطهير القلوب. ويشدد على أن هذا العلم لا يستقى من بطون الكتب وحدها،بل هو جوهرة لا تنال إلا بالتلقي المباشر عن شيخ رباني عاش التجربة بنفسه.
حب النبي.. وقود القصيدة ومنهاج التربية
لم يكن الشيخ البوعزاوي عالما وفقيها فقط، بل كان شاعرا وجدانيا، مسكونا بحب النبي محمد صلى الله عليه وسلم،وهذا الحب،كما يوضح الأستاذ الجيلالي كريم، لم يكن عاطفة عابرة، بل كان الوقود الذي أشعل جذوة الإبداع عنده، وأفرز قصائد مدحية رائعة، من أبرزها همزيته الشهيرة التي لا تزال تتردد في مجالس الذكر إلى اليوم.
ويضيف الأستاذ الباحث عز الدين المعتصم،أن الشيخ لم ينظر إلى الشعر كترف أدبي، بل اتخذه أداة روحية وتربوية دقيقة،فجاء خطابه الصوفي يجمع بين رقة العاطفة وعمق المعاني،في نسيج لغوي يخاطب القلوب قبل العقول،وهكذا تحول ديوان الشيخ، عبر العقود،إلى مرجع تربوي حي،يتداوله المريدون جيلا بعد جيل.
من الزاوية إلى ساحة الجهاد.. مقاومة مسلحة وقيادة ثورية
ولعل أبرز ما يميز مسار الشيخ البوعزاوي هو قدرته على تجاوز العزلة الروحية إلى الانخراط المباشر في قضايا وطنه،فمع بداية الاحتلال الفرنسي للدار البيضاء وأحوازها في العقد الأول من القرن العشرين، لم يقف الشيخ متفرجا،بل حشد مريديه وأتباعه،وجمع تحت لوائه أبطال قبائل الشاوية،أمثال القائد العربي ولد الحاج الحفيان،والقائد محمد بن عريب،والقائد محمد بن المعطي الجميلي،وعبد القادر بن الحاج بوعزة،وغيرهم ممن شهد لهم بالشجاعة والإقدام.
ولم يقتصر دوره على التنظيم والتعبئة،بل كان يمد المجاهدين بالمشورة والسلاح، ودعا إلى الائتلاف والاتحاد بين جميع القبائل ضد تدخل الأجانب وأطماعهم،وقد أزعج نشاطه المعارض المستعمر الفرنسي، فطار صيته وكثر مريدوه،حتى أصبح يشكل خطرا حقيقيا على المشروع الاستعماري في المنطقة.
ويؤكد الأستاذ محمد معروف الدفالي، المؤرخ والأستاذ المحاضربجامعة الحسن الثاني،أن الشيخ البوعزاوي استطاع أن يمارس دورا قياديا وتعبويا في صفوف الفلاحين، جامعا في شخصيته بين الوظيفة التربوية الروحية والوظيفة الجهادية الوطنية،ويشدد الدفالي على أن هذا التاريخ لم يكن حكرا على الرجال، بل كانت للمرأة بصمة بارزة، حيث كانت النساء والجدات السند الحقيقي والحاضنة الصابرة لهذا الكفاح.
ملاحقة فرنسية ونهاية في مراكش
لم يتحمل الفرنسيون صولة الشيخ البوعزاوي،فطاردوه ولاحقوه،مما اضطره إلى الهجرة إلى مدينة مراكش، حيث وافاه الأجل سنة 1914م (1332هـ)، ليلتحق بالرفيق الأعلى،تاركا خلفه إرثا علميا وجهاديا وروحيا لا يزال حيا إلى اليوم.
إرث حي في ذاكرة الملتقيات
وبينما كان العالم يحتفل بذكرى تراثية،احتضن مقر الزاوية البوعزاوية بـ”المجني” في منطقة أولاد سعيد، يوم السبت 18 أبريل 2026، فعاليات الملتقى 22 للذاكرة والتراث الثقافي، في دورة خاصة تحمل اسم أولاد سعيد،وتزامنت مع الدورة الأولى للزاوية البوعزاوية، من خلال ندوة علمية تحت موضوع “الزاوية البوعزاوية،الامتداد الروحي والذاكر،قدمها تلة من الأساتذة الباحثين والمؤرخين الأكادميين:(نور الدين فردي+إدريس قصوري+حكيم فاضل الإدريسي+الجلالي كريم+محمد نعايم+عزالدين المعتصم+محمد معروف الدفالي).
هذا الملتقى الذي نظم بإشراف علمي لمختبر السرديات،وجمعية البحث “ملتقى الذاكرة والتاريخ”،ونادي القلم المغربي،بتنسيق مع جمعية أولاد سعيد الشاوية ورديغة للتنمية،شهد تنظيم معرض للصور والوثيقة،عرضت فيه مجموعة من الصور التاريخية توثق لأحداث وقعت في المنطقة،إضافة إلى مجموعة من الوثائق التي تغطي مرحلة مهمة من تاريخ المغرب،كما نظم معرض آخر للكتاب تضمن مجموعة من الكتب التي تتناول تاريخ منطقة الشاوية بصفة عامة،المعرض الأول للصورة والوثيقة أطره الدكتور محمد الوادي،والمعرض الثاني للصورة أشرف عليه الأستاذ أحمد الناهي،إضافة إلى عرض باقة من الكتب ومنشورات وإصدارات لمجلة أمل،وخلال هذا المعرض تم توقيع كتابين صدرا خلال هذه السنة لكل من نادية شفيق وعبد الرحيم أزوخ،إضافة إلى معرضين وثائقيين للصور والكتاب،ومجموعة من المداخلات العلمية التي أعادت قراءة تراث الشيخ ومنهجه التربوي ودوره الجهادي،مؤكدة أن الزاوية البوعزاوية كانت حصنا للمقاومة ومركزا للإشعاع الروحي،وأن قوتها كانت تكمن في قدرتها على التفاعل مع آلام الناس وآمالهم في أصعب لحظات المواجهة.
يبقى محمد بن الطيب البوعزاوي نموذجا فريدا للعالم المجاهد،والفقيه الصوفي، والقائد الشعبي الذي آمن بأن الكفاح الحقيقي يبدأ من تزكية النفس، لكنه لا يتوقف عند حدود الزاوية، بل يمتد إلى ساحات المواجهة دفاعا عن الأرض والعرض والهوية،وفي زمن تتصارع فيه المصالح وتتعدد فيه التحديات،تظل سيرته نبراسا يضيء الطريق لكل من يبحث عن نموذج مغربي أصيل في التوازن بين الروح والمادة، وبين العلم والعمل، وبين التربية والكفاح.


Comments
0