✍️هند بومديان
انتهت المنافسة… وبدأ الامتحان الحق
انتهت لحظة الانتخابات، أُغلقت الصناديق، أُحصيت الأصوات، وأعلنت النتائج. لكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب وسط الاحتفال بالأرقام هي أن الانتخابات لا تنتهي بإعلان النتائج، بل تبدأ معها مرحلة أكثر صعوبة: مرحلة الوفاء بالثقة.
الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 أعادت ترتيب المشهد السياسي المغربي بشكل واضح. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما عاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى مجلس النواب بـ54 مقعداً. كما حصل الاتحاد الاشتراكي على 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية على 19، وتحالف اليسار على 8 مقاعد.
لكن خلف هذه الأرقام توجد أسئلة أكبر من مجرد ترتيب الأحزاب.
الصدارة ليست تفويضاً مطلقاً
الحزب الذي تصدر النتائج يمتلك رقماً كبيراً في البرلمان، لكنه لا يمتلك وحده كل الإجابات. فمجلس النواب الجديد يضم عدة قوى سياسية، ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بالتفاوض وبناء التحالفات وتحديد الأولويات التشريعية والحكومية.
وهنا تنتقل السياسة من لغة الحملات الانتخابية إلى لغة المسؤولية. فالمواطن الذي وضع ورقته في الصندوق لم يمنح شيكاً على بياض، وإنما منح ثقة مرتبطة بانتظارات واضحة: الشغل، الصحة، التعليم، القدرة الشرائية، السكن، والعدالة الاجتماعية.
الرقم الذي لا ينبغي تجاهله
وسط الحديث عن الفائزين والخاسرين، هناك رقم آخر يستحق قراءة أعمق: نسبة المشاركة بلغت نحو 38%، وفق المعطيات الرسمية الأولية، مقابل 50.86% في انتخابات 2021.
وهذا الرقم لا ينبغي اختزاله في عبارة “العزوف الانتخابي” فقط. فهو أيضاً سؤال سياسي واجتماعي مفتوح: لماذا يختار جزء كبير من المواطنين عدم المشاركة؟ وهل تكفي الحملات الانتخابية والشعارات لإعادة بناء الثقة؟
إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها حزب، وإنما أيضاً بمدى شعور المواطن بأن صوته له معنى، وأن المؤسسات المنتخبة قادرة على تحويل الوعود إلى سياسات ونتائج ملموسة.
عودة المعارضة… وتغير موازين المشهد
من أبرز ملامح هذه الانتخابات عودة حزب العدالة والتنمية بقوة مقارنة بنتيجة 2021، عندما حصل على 13 مقعداً فقط، قبل أن يرتفع في هذه الانتخابات إلى 54 مقعداً. كما حافظ اليسار على حضوره البرلماني من خلال تحالف اليسار الذي حصل على 8 مقاعد.
وهذا يعني أن البرلمان المقبل سيكون أمام تعددية سياسية واضحة، وأن النقاش داخله قد يكون أكثر تنوعاً في القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية.
لكن قوة المعارضة، كما قوة الأغلبية، لا تُقاس بالعدد وحده. القيمة الحقيقية تظهر في القدرة على تقديم البدائل، مراقبة الأداء الحكومي، والمساهمة في إنتاج تشريعات تستجيب للتحولات التي يعيشها المجتمع.
من انتصر في الانتخابات؟
النتيجة الرسمية تحدد الأحزاب التي حصلت على المقاعد، لكن المعنى السياسي الأعمق لا يُختزل في إعلان فائز وخاسر.
هناك مواطن ذهب إلى صندوق الاقتراع وهو ينتظر تحسناً في حياته اليومية. وهناك شاب يبحث عن فرصة عمل. وهناك أسرة تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة. وهناك مواطن يريد مستشفى ومدرسة وإدارة أكثر فعالية. وهناك أيضاً فئات تريد أن تشعر بأن المؤسسات السياسية تستمع إليها بالفعل.
لهذا، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ غداً.
فالناس لا يعيشون داخل جداول النتائج، ولا داخل عدد المقاعد. يعيشون داخل واقع اقتصادي واجتماعي يومي، وسيقيسون أداء المنتخبين بما يرونه في حياتهم، لا بما يسمعونه في الخطب.
ما بعد الصندوق
لقد حُسمت الانتخابات، لكن لم تُحسم الأسئلة التي دفعت الناس إلى التصويت.
الآن انتهى زمن طلب الأصوات، وبدأ زمن تقديم الحساب السياسي أمام المواطنين.
ومن حصل على الثقة مطالب بتحويلها إلى عمل، ومن يوجد في المعارضة مطالب بتحويل موقعه إلى رقابة واقتراح، ومن لم يصل إلى البرلمان مطالب أيضاً بمراجعة تجربته وفهم الرسائل التي حملتها صناديق الاقتراع.
فالانتخابات ليست نهاية الطريق، وإنما لحظة انتقال من الكلام إلى الفعل.
لقد قالت الصناديق كلمتها… والآن جاء دور المؤسسات لتقول ماذا ستفعل بهذه الكلمة.


Comments
0