عاد الجدل من جديد حول حدود حرية التعبير الفني في المغرب، عقب المطالبات التي طالت بمنع عرض فيلم “المطرود من رحمة الله” للمخرج هشام العسري، بدعوى مساسه بالقيم الدينية والأخلاقية. وبين مؤيد للمنع ومدافع عن حرية الإبداع، دخل الناقد الفني عبدالرحيم الشافعي على خط النقاش، منتقداً ما وصفه بازدواجية المعايير في التعاطي مع القضايا المجتمعية والثقافية، ومعتبراً أن بعض الجهات تقفز على أولويات أكثر خطورة تمس المجتمع المغربي بشكل مباشر.

قال الشافعي إنه لم يسبق للرأي العام أن سمع يوماً عن مطالبة بعض الهيئات الحقوقية للحكومة بحجب المواقع الإباحية المنتشرة بالمغرب، رغم أنها تشكل تهديداً مباشراً للأطفال والقاصرين، وتتنافى مع القوانين المرتبطة بالإخلال بالحياء العام، مشيراً إلى أن الوصول إليها أصبح سهلاً حتى بالنسبة لتلاميذ صغار عبر الهواتف الذكية.
وأضاف أن هذه المواقع ليست الخطر الوحيد، لأن هناك أيضاً كمّ هائل من الإعلانات والمحتويات الخادشة للحياء المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي تصل يومياً إلى بيوت المغاربة وهواتف أبنائهم دون أي تحرك جدي أو حملات ضغط مماثلة.
وتابع الشافعي أن العديد من هذه المنظمات والهيئات التي تقدم نفسها كمدافعة عن الحقوق، تغيب في ملفات أكثر إلحاحاً وأشد قسوة، من قبيل رمي بعض الآباء والأمهات في دور العجزة وهضم حقوقهم الإنسانية، أو صمتها أمام مواطنين يفقدون مساكنهم قسراً أمام أنظار الجميع دون تدخل يذكر، أو تجاهل شكاوى عدد من المواطنين المرتبطة بالسرقة والتحرش والفوضى وبعض مظاهر الدعارة التي تؤرق عدداً من الأحياء والمناطق بسبب أفارقة جنوب الصحراء.
كما أشار إلى أن هناك قضايا أخرى تمس كرامة الناس بشكل يومي، مثل النصب والاحتيال الذي يتعرض له رجال ونساء الشعب المغربي يوميا، والظلم الاجتماعي الذي يطال فئات واسعة، إضافة إلى مواقع إلكترونية وصفحات رقمية تعج بالإسفاف وقلة الحياء أمام أعين الأبناء، دون أن تستنفر هذه الوقائع نفس الحماس الحقوقي.
واعتبر الشافعي أن المثير للاستغراب هو أن هذه الجهات تختفي في القضايا الجوهرية، ثم تظهر فجأة عندما يتعلق الأمر بفيلم موجه أساساً للقاعات السينمائية، يشاهده من يختار ذلك بكل حرية، لتوزع صكوك الأخلاق وتمارس نوعاً من الوصاية على المجتمع.
وأكد المتحدث ذاته أن الفن يظل فضاءً للنقاش والاختلاف، ويمكن نقده أو رفضه، لكن المطالبة بمنعه ومصادرته قبل مشاهدته كاملة لا يخدم صورة المجتمع ولا ينسجم مع روح الدستور الذي يكفل حرية التعبير والإبداع.
وختم الشافعي تصريحه بالقول: “كفى عبثاً، فالمغاربة ينتظرون من المدافعين عن الحقوق أن ينشغلوا بكرامة المواطن وأمنه وعدالته الاجتماعية في قضياه الجوهرية مثل السكن و التطبيب والتعليم ، لا أن يتحولوا إلى لجان رقابة على الأعمال الفنية هي اساسا تصور برخصة من المركز السينمائي وفق مساطر قانونية واضحة.


Comments
0