من قلب المجتمع تستيقظ شواطئنا ومعابرنا الحدودية كل يوم على مشاهد تُدمي القلوب عشرات الأطفال والقاصرين، ممن لم يستكملوا مقاعد دراستهم بعد يقفون على الحافة الفاصلة بين الوطن والمجهول. لم يعد الأمر مجرد شباب يبحثون عن فرص عمل أفضل بل تحول إلى ركض جماعي ومحاولات يائسة لأطفال في مقتبل العمر لركوب “قوارب الموت” أو اقتحام السياجات مع عائلات شابة باطفالها حتى الرضع وكبار السن وذوي الإعاقة لم يسلموا من التحرك مع هذه الظاهرة مبدين استعدادهم لتحدي أمواج البحر العاتية مقابل أمل مهزوز في الوصول إلى “الاستقرار” و”جودة الحياة” كل هذا يظهر إشكالية حارقة وتساؤل واضح لماذا يهرب المستقبل؟ نعم الإشكالية اليوم في تساؤل جوهري ما الذي يدفع طفلاً لم يتجاوز الـ 16 عاماً إلى التخلي عن مقاعد الدراسة والبيت الأسري والتضحية بحياته للعبور نحو الضفة الأخرى وهو المستقبل لهذا الوطن؟ وكيف تحولت الهجرة في أذهان هؤلاء الأطفال من “خيار” إلى “مسألة حياة أو موت”؟نتحدث عن تراكم مجموعة من الضغوط التي ولدت الانفجارلا يمكن فصل هذه الحركة الاحتجاجية الصامتة للقاصرين عن واقع التحديات والضغوط اليومية المتراكمة داخل المجتمع المغربي بل إن الضغط الاقتصادي وارتفاع تكاليف العيش وتراجع الفرص في المدن القروية والهامشية، خاصة بعد إغلاق مجموعة من الأنشطة المعيشية التي كانت تعيل آلاف الأسر دون توفير بدائل اقتصادية سريعة بالإضافة الى الانقطاع عن الدراسة أو الهدر المدرسي أصبح في ارتفاع كبير ومقلق في غياب منظومة توجيه أو تكوين مهني تضمن إدماجهم هنا يجد القاصر نفسه في فراغ قاتل يدعوه للهروب كما أن الضغط الاجتماعي والأسري تمثلان النجاح الشائعة في المجتمع بضغط على الفرد منذ صغره، حيث تُربط “الرجولة” و”التمكين” بإرسال الأموال من أوروبا، مما يضع القاصر تحت عبء عاطفي ونفسي للبحث عن الخلاص لأسرته. عبر سحر منصات رقمية وهمية تُروّج لصور زاهية وزائفة عن العيش في أوروبا بينما تستغل شبكات الاتجار بالبشر هؤلاء الأطفال لبيعهم الوهم مقابل مبالغ مالية تُستنزف من الأسر. كل هذه تداعيات هي نزيف يتطلب تدخل سريع لأنه يستنزف مستقبل الوطن حيث تتجاوز خطورة الظاهرة الخسارة البشرية الفادحة في الأرواح لتصل إلى نزيف ديمغرافي يفقد الدولة طاقتها الشبابية المستقبلية. كما تساهم هذه الظاهرة في تعميق التفكك الأسري وزيادة معدلات الهشاشة فضلاً عن تحول هؤلاء القاصرين في دول الاستقبال إلى ضحايا للاستغلال والجريمة المنظمة.إن طوق النجاة لإنقاذ أطفالنا هو معالجة هذه الظاهرة الانتقال من المقاربة الأمنية الصرفة إلى حلول اجتماعية واقتصادية جذرية أولها:إعادة بناء الثقة : إطلاق برامج تنموية موجهة للمناطق الهامشية وتوفير مراكز تكوين مهني مجانية ومجهزة تستوعب المنقطعين عن الدراسة.محاربة الهدر المدرسي : تفعيل الإلزامية التعليمية وتوفير الدعم الاجتماعي والمالي للأسر المعوزة للإبقاء على أبنائها في المدرسة. التوعية الأسرية والمجتمعية : تنظيم حملات توعوية إعلامية وميدانية تُفكك “أوهام الهجرة” وتوضح المخاطر الواقعية للركوب في قوارب الموت والمعابر. التشديد على شبكات التهريب : الضرب بيد من حديد على عصابات تجار البشر ومروجي شبكات الهجرة السرية التي تستهدف الفئات القاصرة.إن العبور الحقيقي نحو جودة الحياة لا ينبغي أن يكون عبر البحر على متن قوارب الموت، بل عبر الاستثمار في بناء إنسان هذا الوطن وتوفير الأمل والأمان له داخل أرضه.
الهجرة غير النظامية للقاصرين حلم العبور أم هروب من واقع ضاغط ؟


Comments
0