في شاطئ بادس، نواحي الحسيمة، لا يحتاج الزائر إلى كثير من التدقيق ليدرك أن المكان ليس مجرد شاطئ جميل على المتوسط، بل هو مسرح لجريمة تاريخية مستمرة، وفضيحة أوروبية باقية.
إنه المكان الذي يختلط فيه عبق التاريخ المغربي برائحة الاحتلال الإسباني البائد الذي يرفض أن يندثر، متحدياً بذلك كل المواثيق الدولية وكل قيم العصر الحديث.

هناك، يفصل حبل طويل بين أرض مغربية خالصة وبين رقعة ترزح تحت نير الوجود الإسباني. حبلٌ طال أمده، حتى ظنه البعض حقيقة ثابتة، وكأنه حدٌ طبيعي بين دولتين، لا خطاً وهمياً رسمته أنياب الاستعمار. يقف الحرس المغربي في الجهة المقابلة بواجب وطني، بينما يتنطع حرس الاحتلال في الجهة الأخرى، وكأنهم في حديقة خلفية لإسبانيا، متجاهلين أنهم يقفون على أرض ليست لهم، وأن وجودهم بحد ذاته عمل عدواني.الأكثر استفزازًا أن الجهة المحتلة لا تكتفي بوجودها غير الشرعي، بل تمارس حضورها بوقاحة منقطعة النظير؛ من مرافق للترفيه والرياضة إلى وجود أشخاص من سكان سبتة المحتلة يتحركون فيها وكأن الأمر واقع لا يحتاج إلى مساءلة. والأغرب من ذلك كله، أن أي خلاف عابر قد يجد مغاربة أنفسهم في مواجهة مغاربة آخرين، فقط لأن حدودًا رسمها واقع الاحتلال تفصل بينهم، في مشهدٍ يعكس بؤس الواقع الحدودي المفروض.هذه ليست مجرد صورة عابرة على شاطئ.

إنها صورة تختزل مفارقة مؤلمة: كيف يمكن أن يصبح وجود الاحتلال جزءًا من المشهد اليومي إلى درجة أن نتعامل معه وكأنه أمر اعتيادي؟ إنها صورةٌ يروج لها الإعلام الإسباني بكل صفاقة، محاولاً ترسيخ فكرة أن المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وجزيرة المعدنوس (جزيرة قميرة) هي “أراضٍ إسبانية” لها “خصوصية”، وكأن التاريخ والجغرافيا يمكن أن يُشترى بالمال والدعاية المضللة.

إلى الإعلام الإسباني الذي يتهم المغرب وملكه وأمنه ووزراءه…إلى أولئك الذين يحولون كل أزمة عابرة إلى حملة تشويه ضد المغرب، نقول بكل وضوح: إن هوسكم بالمغرب ووحدته الترابية لن يغير من الحقيقة شيئاً. إن اتهاماتكم للمغرب ومؤسساته، ومحاولاتكم اليائسة للوقيعة بين الشعب وقيادته، لن تجدي نفعاً. إن المغاربة، من طنجة إلى الكويرة، ومن السعيدية إلى الداخلة، يقفون صفاً واحداً خلف ملكهم ووحدتهم الترابية. قد نختلف نحن المغاربة في السياسة والتدبير، ولكن عندما يتعلق الأمر بالوطن وسيادته، فإننا نلتحم جميعاً في خندق واحد، وهذا ما لا يفهمه الإعلام الإسباني الذي ما زال يعيش عقلية المستعمر المتغطرس.إن الحديث عن بادس لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد حكاية سياحية أو وصف لشاطئ جميل. فهناك قضية تتجاوز الرمال والمياه والحدود المرسومة على الأرض. إنها قضية السيادة والوحدة الترابية والذاكرة الوطنية. ومن حق المغاربة أن يتساءلوا: إلى متى سيظل التعامل مع هذه الرقع المحتلة وكأنها تفاصيل هامشية؟لا يمكن أن يكون الاحتلال مقبولًا لمجرد أنه أصبح قديمًا، ولا يمكن أن تتحول المدة الزمنية إلى وسيلة لطمس الحقيقة.
الأرض لا تفقد هويتها لأن الاحتلال طال، والحق لا يسقط بالتقادم في الوعي الوطني. إن ما يسمى بـ “الإسبانية” في سبتة ومليلية هي مجرد قناع استعماري، ومصيرها كمصير كل الأقنعة الاستعمارية في التاريخ: إلى زوال.إن ما يحدث في بادس و سبتة و مليلة و باقي الجزر يستحق نقاشًا وطنيًا جادًا، بعيدًا عن التعود والصمت. فالمطلوب ليس تحويل الحدود إلى مصدر للتوتر بين المواطنين، ولا تحميل الأشخاص مسؤولية واقع سياسي أكبر منهم، وإنما رفض جعل الاحتلال أمرًا طبيعيًا أو دائمًا في الوعي العام.
قد يفصل بين الجانبين حبل اليوم، لكن خلف ذلك الحبل توجد قضية أكبر من مجرد شاطئ وملعب للكرة الطائرة. إنها قضية استكمال الوحدة الترابية، وهي القضية التي ستبقى حاضرة في كل بيت مغربي، وفي كل خطاب رسمي وشعبي.إن الأرض ليست مجرد مساحة على الخريطة… والسيادة ليست حبلاً يمكن أن يفصل بين الحق والواقع. وبادس تظل تذكيرًا بأن هناك ملفات ترابية لا ينبغي أن تسقط من الذاكرة.
إن استرجاع كل شبر من الأراضي التي يعتبرها المغرب جزءاً من ترابه الوطني، من سبتة ومليلية إلى الجزر الجعفرية وجزيرة المعدنوس، يجب أن يظل حاضراً في الوعي والنقاش الوطني، بالوسائل السلمية والدبلوماسية والقانونية، وبكل حزم وثبات.إن “حبل العار” هذا لن يقطع إرادة مغربية عريقة، ولن يخنق صوت الحق الذي يهتف: “سبتة ومليلية مغربيتان… والجزر الجعفرية مغربية… وكل شبر من ترابنا الوطني سيعود”.


Comments
0