مع احتدام الحملات الانتخابية واقتراب موعد الاقتراع، تبرز في بعض المهرجانات الخطابية مشاهد تطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة الخطاب السياسي الموجَّه إلى الناخبين. فحين يغيب البرنامج الانتخابي الواضح، وتتراجع الرؤية السياسية والمشاريع القابلة للنقاش، تتحول بعض التجمعات الانتخابية من فضاءات لعرض الأفكار والبرامج إلى مناسبات يغلب عليها الاستعراض والأهازيج الفلكلورية والرقص على أنغام الموسيقى المحلية.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً حول ما إذا كان بعض الفاعلين السياسيين باتوا يفترضون أن البرنامج الانتخابي لم يعد كافياً لإقناع الناخب، وأن استمالة الجمهور أصبحت تمر عبر الفرجة والرقص والشعارات أكثر مما تمر عبر تقديم حلول واقعية للمشكلات التي تواجه المواطنين.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض الفولكلور أو الثقافة الشعبية، باعتبارهما جزءاً من الهوية المغربية، وإنما يبدأ الإشكال عندما تطغى مظاهر الفرجة على مضمون الخطاب السياسي، ويصبح المهرجان الانتخابي أقرب إلى عرض جماهيري منه إلى مناسبة لتقديم الحصيلة، وطرح البرامج، ومناقشة قضايا المجتمع وانتظارات المواطنين.
والأكثر إثارة للانتباه هو انتقال بعض الخطابات الانتخابية إلى التراشق الكلامي والتلاسن بين الزعماء والقيادات الحزبية، مع تبادل الاتهامات وعرض ما يشبه “الغسيل السياسي” أمام الجمهور. وبدلاً من أن ينشغل المتنافسون بتقديم تصوراتهم بشأن الاقتصاد والتشغيل والتعليم والصحة والتنمية المحلية والعدالة الاجتماعية، يجد المواطن نفسه أمام سجالات شخصية وحزبية لا تقدم بالضرورة أجوبة عن الأسئلة التي تشغله في حياته اليومية.
وهنا يطرح سؤال آخر نفسه: هل يمثل هذا النوع من الخطاب وسيلة فعالة لإقناع المواطن بالمشاركة والتصويت؟ وهل يمكن بناء الثقة السياسية من خلال رفع منسوب الصراع الكلامي، في وقت ينتظر فيه الناخب من الأحزاب والمرشحين إجابات واضحة عن قضايا حقيقية ومشكلات ملموسة؟
ولعل استحضار أسماء عدد من رموز الحركة السياسية المغربية، مثل عبد الرحيم بوعبيد، وعبد الرحمن اليوسفي، وعلي يعتة، ومحمد بن سعيد آيت يدر، والمحجوبي أحرضان، وامحمد بوستة، وعبد الكريم الخطيب، وأحمد عصمان، يفتح باباً للمقارنة التاريخية في أساليب الخطاب السياسي، مع ضرورة مراعاة اختلاف السياقات السياسية والإعلامية بين تلك المراحل والمرحلة الراهنة.
فقد كان الخطاب السياسي في محطات سابقة يرتبط، بدرجات متفاوتة، بالصراع حول الأفكار والاختيارات المجتمعية والبرامج والمرجعيات، وكانت المهرجانات السياسية مناسبة لعرض المواقف وتقديم التصورات ومخاطبة الناخب بلغة سياسية مباشرة. أما اليوم، فإن بعض المشاهد الانتخابية توحي بأن الصورة والفرجة والصراع بين الخصوم أصبحت، في بعض الحالات، تحتل مساحة أكبر من مضمون البرنامج الانتخابي.
إن المواطن لا يحتاج فقط إلى مهرجان صاخب أو خطاب حماسي، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة ما الذي سيُقدَّم له بعد انتهاء الحملة الانتخابية: ما الأولويات؟ وما الحلول المقترحة؟ وما الالتزامات؟ وكيف سيتم تنفيذها؟ ومن سيتحمل مسؤولية المحاسبة في حال عدم الوفاء بالوعود؟
فالانتخابات ليست مسابقة في رفع الصوت، ولا منافسة في الرقص على أنغام الفلكلور، ولا مناسبة لتبادل الاتهامات بين الزعماء، وإنما هي لحظة سياسية يفترض أن يلتقي فيها الناخب مع البرامج والتصورات والبدائل، وأن يتمكن من تقييم ما يُعرض عليه على أساس واضح.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال موجهاً إلى الأحزاب والقيادات السياسية: هل المطلوب إقناع المواطن بالبرنامج والرؤية، أم إبهاره بالفرجة والخطاب الحماسي؟
فالناخب، مهما اختلفت أساليب مخاطبته، يظل في حاجة إلى خطاب سياسي يحترم عقله، وبرنامج واضح يحدد الأولويات والالتزامات، ويمكن مساءلة أصحابه بشأنه بعد الوصول إلى المؤسسات.


Comments
0