في مدينة فاس، لا تعود الأسماء السياسية إلى الواجهة من فراغ، بل تحمل في طياتها إشارات واستفهامات تستحق التوقف. فالعاصمة العلمية، التي طالما شكلت منارة للتحولات السياسية والاجتماعية، تنظر إلى الاستحقاقات الانتخابية باعتبارها لحظة فارقة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل مدينة تزخر بذاكرة سياسية ثرية ومركبة.
ومع اقتراب الموعد الانتخابي المقبل، عاد اسم حميد شباط إلى صلب النقاشات المحلية بشكل لافت، ذلك على الرغم من عدم صدور أي إعلان رسمي حول نيته العودة إلى العمل السياسي المباشر. إذ يكفي في بعض الأحيان تداول الاسم ليصبح حدثاً قائماً بذاته.
فقد استطاع العمدة السابق والأمين العام الأسبق لحزب الاستقلال، من خلال مسيرته الطويلة، أن يرسُّم حضوراً ممتداً في عدد من الأحياء والدوائر الانتخابية، مما جعل عودته المحتملة -سواء عبر ترشح مباشر أو من خلال شبكة علاقاته الاجتماعية- محوراً للعديد من القراءات والتوقعات.
لكن ما يثير الاهتمام حقاً ليس شخص حميد شباط فحسب، بل ما يمثله من مكانة في الذاكرة السياسية للمدينة. فهو شخصية أثارت الجدل في تاريخ فاس الحديث، وتمكنت في مراحل مختلفة من فرض حضورها كعنصر مؤثر في المعادلة المحلية، جامعاً بين القبول الشعبي والقدرة على التأثير في التوازنات الحزبية.
وهنا يبرز سؤال أعمق: هل يعكس التداول المستمر للأسماء السياسية المخضرمة قوتها الذاتية فقط، أم أنه يكشف عن عجز في منظومات الأحزاب عن إنتاج نخب جديدة قادرة على تجديد المشهد؟ فالأحزاب التي تنادي بتجديد النخب وإشراك الشباب، سرعان ما تعود في كل استحقاق إلى الوجوه ذاتها، فيما تظل الأجيال الجديدة محصورة في أدوار هامشية بعيدة من مواقع القرار.
هذه الظاهرة تطرح تساؤلات حول طبيعة النخب السياسية الجديدة ومدى قدرتها على ملء الفراغ. فطريق القيادة يبدو شديد الصعوبة أمام العديد من الكفاءات الشابة، مما يجعل الحديث عن التداول السياسي الحقيقي أمراً يحتاج إلى مراجعة جادة.
إن عودة اسم حميد شباط إلى التداول لا تعني بالضرورة عودته الفعلية، لكنها تسلط الضوء على إشكالية جوهرية: هل نجحت الحياة السياسية المغربية في إنتاج جيل جديد قادر على تجاوز الحاجة إلى استدعاء الأسماء القديمة؟ السؤال الأهم اليوم ليس حول مصير أي مرشح بعينه، بل حول قدرة المشهد السياسي على تجديد نفسه بصدق، وفتح الباب أمام قيادات شابة تحمل مشاريع جديدة. وفي انتظار الإجابة، تبقى فاس نموذجاً خصباً للتأمل في التحولات التي تعيشها النخب المغربية، وأي طريق ستسلكه السياسة المحلية في السنوات المقبلة.


Comments
0