يمثل هشام العفو، رئيس رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب، نموذجًا للفاعل المهني الذي اشتغل على الصحة النفسية باعتبارها مجالًا علميًا يحتاج إلى تنظيم مؤسساتي، وضبط أخلاقي، ورؤية بعيدة المدى. فقد انطلق عمله من وعي دقيق بتعقيدات الممارسة النفسية في السياق المغربي، وبالحاجة إلى بناء إطار مهني يجمع بين التكوين، الممارسة، والمسؤولية الاجتماعية.
منذ تحمّله مسؤولية رئاسة الرابطة، سعى إلى ترسيخ تصور واضح لدور الرابطة، يقوم على دعم المتخصصين في مختلف مجالات الصحة النفسية والعقلية، وتوفير فضاء مهني للتكوين المستمر، والتفكير الجماعي في الإشكالات العملية التي تواجه الممارسين. وقد اعتمد في ذلك مقاربة تنظيمية تركز على وضوح الأهداف، وتحديد الأولويات، وتوزيع الأدوار، بما يسمح بتجاوز العشوائية التي غالبًا ما تعيق العمل الجمعوي المهني.
على مستوى التكوين، أولى هشام العفو اهتمامًا خاصًا لمسألة تطوير الكفاءات المهنية، انطلاقًا من قناعته بأن جودة الممارسة النفسية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بجودة التكوين واستمراريته. لذلك عملت الرابطة، تحت إشرافه، على تنظيم دورات تكوينية وورشات تطبيقية تناولت قضايا تشخيصية، علاجية، وتقويمية، مع الحرص على ربط المحتوى العلمي بالواقع العملي للممارسين، وتكييفه مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي.
ويظهر البعد الأكاديمي في عمله من خلال دعمه للنقاش العلمي المنفتح، وتشجيعه على تعدد المرجعيات النظرية دون الانزلاق إلى الصراعات الإيديولوجية أو الإقصاء المنهجي. فقد حرص على أن تكون الرابطة فضاءً يتعايش فيه الاختلاف العلمي، ويُدار فيه النقاش على أساس الاحترام المتبادل والحجة العلمية، بما يساهم في إثراء الممارسة النفسية بدل تجميدها داخل مقاربة واحدة.
أما على مستوى الممارسة الميدانية، فقد انصبّ اهتمامه على تعزيز وعي المتخصصين بمسؤولياتهم المهنية والأخلاقية، خصوصًا في ما يتعلق بعلاقة المعالج بالمستفيد، وحدود التدخل، وسرية المعطيات، وحماية الفئات الهشة. وقد شكل هذا التوجه إحدى الركائز الأساسية في أنشطة الرابطة، باعتبار أن أي تطور مهني لا يمكن أن يتم بمعزل عن إطار أخلاقي واضح.
الجانب الإنساني في مسار هشام العفو لا يظهر في الخطاب، بل في أسلوب العمل اليومي، حيث يعتمد الإصغاء كآلية أساسية في التدبير، ويولي أهمية لتقدير جهود الأعضاء، وتشجيع المبادرات الفردية والجماعية. هذا الأسلوب أسهم في خلق مناخ مهني قائم على الثقة، والانخراط، والشعور بالانتماء، وهو عنصر أساسي لاستمرارية أي مشروع مؤسساتي.
كما اشتغل على إعادة الاعتبار للصحة النفسية داخل النقاش المجتمعي، من خلال دعم المبادرات التوعوية التي تهدف إلى تبسيط المفاهيم النفسية، وتصحيح الصور النمطية المرتبطة بالاضطرابات النفسية، دون السقوط في التبسيط المخل أو الخطاب الشعبوي. وقد تم هذا العمل عبر شراكات وتنسيق مع فاعلين من مجالات مختلفة، ما ساهم في توسيع دائرة التأثير خارج الإطار المهني الضيق.
وعلى المستوى المؤسساتي، سعى إلى تعزيز حضور الرابطة كفاعل مهني مسؤول، قادر على المساهمة في التفكير حول السياسات المرتبطة بالصحة النفسية والعقلية، والدفاع عن مصالح المتخصصين، والترافع من أجل تنظيم الممارسة وفق معايير واضحة. وقد تطلب هذا المسار عملًا متدرجًا قائمًا على بناء الثقة، والانفتاح، وتجنب الصدامات غير المنتجة.
وتكمن أهمية تجربة هشام العفو في كونها تجربة تقوم على الاستمرارية، لا على المبادرات الظرفية، وعلى البناء التراكمي، لا على النتائج السريعة. فهي تجربة تبرز أن العمل في مجال الصحة النفسية يحتاج إلى صبر، التزام، وقدرة على التوفيق بين المتطلبات العلمية والواقع الاجتماعي، وبين الطموح المهني والإمكانات المتاحة.
إن قراءة مسار هشام العفو من زاوية أكاديمية تُظهر أن قيادته للرابطة لم تكن مجرد موقع إداري، بل ممارسة مهنية قائمة على رؤية واضحة، وانخراط فعلي في قضايا المتخصصين والمستفيدين على حد سواء. وهي تجربة تؤكد أن تطوير مجال الصحة النفسية والعقلية في المغرب يمرّ حتمًا عبر فاعلين يؤمنون بالعمل الجماعي، والضبط العلمي، والبعد الإنساني المتزن.



Comments
0