شهدت مدينة فاس اليوم احتفالية استثنائية تجاوزت حدود البروتوكول لتصبح عُرساً إعلامياً حقيقياً، تداخلت فيه هيبة التاريخ مع طموح المستقبل. فبين أسوار العاصمة العلمية، جرى الاحتفاء بخريجي مجموعة معاهد الصحافة ومهن الإذاعة والتلفزيون القادمين من حواضر فاس ومكناس وتازة، ضمن دورة حملت اسماً محفوراً في ذاكرة المغاربة، وهو الهرم الإعلامي مولاي مصطفى العلوي.
جاء اختيار اسم “قيدوم الإعلاميين” لهذا الفوج تعبيراً عن رؤية استراتيجية عميقة، ورسالة واضحة لكل خريج وضع قدمه اليوم على عتبة المهنة؛ فوجود هذا الرمز بكاريزمته المعهودة بين الشباب كان بمثابة “ميثاق شرف” ينتقل من جيل الرواد إلى جيل المستقبل. إنها دعوة صريحة للتمسك بالرصانة واللغة السليمة والارتباط الوثيق بقضايا الوطن، بعيداً عن ضجيج “الترندات” العابرة، وتأكيداً على أن الصحافة الحقيقية هي صوت وحضور وأمانة قبل كل شيء.

ومن رحم هذه المدن العريقة؛ فاس بعبقها، ومكناس بشموخها، وتازة بأصالتها، تدفق اليوم فوج من الشباب المسلح بأحدث تقنيات الإعلام الرقمي، والذين صُقلت مواهبهم داخل مدرجات ومختبرات مجموعة معاهد الصحافة ليصبحوا “الكتيبة الإعلامية” المنتظرة. هؤلاء الشباب يمثلون الجيل القادر على إكمال المسير وحمل مشعل الكلمة الصادقة، طامحين عبر هذا التكريم إلى ترك بصمة تليق بهيبة الميكروفون الذي حمله جيل الرواد بكل وقار وترفع.
ولعل أجمل ما ميز هذه اللحظة لم يكن فقط تسليم الشهادات، بل تلك النظرة المختلطة بين الفخر والمسؤولية في عيون الخريجين؛ نظرة تُدرك أن الكلمة قد تبني وعياً كما قد تهدمه، وأن الميكروفون ليس أداة صوت فحسب، بل أمانة تاريخ. إن تسمية الفوج باسم مولاي مصطفى العلوي لم تكن مجرد تكريم لشخص، بل تكريس لمدرسة قائمة على الانضباط والعمق واحترام ذكاء المتلقي.
ومع هذا الاحتفاء، يبرز التحدي الحقيقي والمتمثل في كيفية الموازنة بين رزانة مدرسة “العلوي” وسرعة العصر الرقمي. ففي زمن تتسارع فيه المعلومة قبل أن تكتمل، وتُختزل القضايا في عناوين مثيرة، يبقى الرهان الأكبر هو صناعة إعلام يُفكّر قبل أن يُنشر، ويُحلل قبل أن يُثير. فالاختبار الحقيقي يبدأ من الميدان، حيث يقع على عاتق الخريجين دور جوهري في صياغة الخبر بذكاء يحترم وعي المشاهد، ويوازن بين السبق الصحفي والمسؤولية الأخلاقية.
وإذا كانت المعاهد قد منحتهم “تذكرة العبور” ووضعتهم على السكة الصحيحة، فإن التجربة والعمل الميداني سيكونان الحكم النهائي لإثبات جدارة التكوين وقدرته على الصمود والتميز. إن فاس، وهي تحتفي اليوم بأبنائها، لا تودّعهم إلى سوق العمل فحسب، بل تُطلقهم كسفراء للكلمة المسؤولة، حاملين معهم إرث مدينة علّمت العالم معنى الرسالة قبل الضجيج، والمعنى قبل الصورة.
إن هذا الحراك الإعلامي الذي شهدته فاس يؤكد قدرة المغرب الدائمة على إنجاب الطاقات، ويبرز دور مؤسسات التكوين في حماية المهنة والارتقاء بها. فليكن هذا “الفوج العلوي” بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها الاعتبار لقيمة الصحفي المثقف، الواعي، الملتزم، الذي يرى في كل خبر مسؤولية، وفي كل منصة منبراً لخدمة الوطن.
كل التوفيق والنجاح لطلبة المؤسسة، ولعل هذا الفوج يكون فاتحة خير لإعلام جهوي ووطني قوي، يعيد للمهنة هيبتها وللمشاهد ثقته المستحقة. هنيئاً لهذه الحواضر بهذا الحصاد المثمر، ومبارك للمغرب جيل إعلامي واعد يسير بثبات على خطى الكبار.


Comments
0