في ظل غياب التوافق بين مكونات الجسم الصحفي، قررت الحكومة تعيين لجنة مؤقتة جديدة لتسيير شؤون قطاع الصحافة، برئاسة قاض، مع تمديد بطاقة الصحافة لسنة 2025 إلى غاية 2026. قرار يضع المهنة أمام لحظة مفصلية: إما إعادة البناء، أو تعميق الشرخ.
ليس خافيا أن الجسم الصحفي يعيش منذ أشهر على إيقاع صراعات داخلية حادة، تجاوزت حدود الاختلاف المهني إلى حالة من التشتت عطلت مؤسسات التنظيم الذاتي، وأربكت مسار تنفيذ عدد من المطالب المهنية والاجتماعية.
وبينما تنجح قطاعات أخرى، كالمحاماة أو التعليم أو الصحة، في تدبير خلافاتها داخل أطرها التنظيمية، وجد قطاع الصحافة نفسه أمام انسداد حقيقي، جعل الحكومة تتدخل بصيغة “التسيير المؤقت” لتفادي الفراغ المؤسساتي.
قرار إسناد رئاسة اللجنة لقاض يحمل دلالات واضحة؛ فهو يسعى إلى إضفاء طابع الحياد وضمان حد أدنى من التوازن خلال المرحلة الانتقالية. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بشكل اللجنة، بل بعمق الأزمة التي أوصلت المهنة إلى هذا الوضع.
فالصحافة، باعتبارها سلطة رقابية على باقي السلط، مطالبة قبل كل شيء بأن تقدم نموذجا في التنظيم والاستقلالية. وعندما يصبح تدبير البيت الداخلي متعذرا دون تدخل خارجي، فإن صورة المهنة تهتز، وثقة الرأي العام تتأثر.
أما تمديد بطاقة الصحافة المهنية إلى سنة 2026، فهو إجراء تقني لتفادي الفراغ القانوني، لكنه في الوقت نفسه مؤشر على تعثر المسار الانتخابي والتنظيمي. البطاقة ليست مجرد وثيقة إدارية؛ إنها عنوان للشرعية المهنية، وأي ارتباك في مسارها يعكس خللا في بنية التسيير.
اليوم، الرهان ليس في تشكيل لجنة جديدة بقدر ما هو في استثمار هذه المرحلة لإعادة بناء الثقة بين مكونات الجسم الصحفي. فالصراعات مهما كانت حدتها لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة، والخلافات المهنية يجب أن تدار داخل مؤسسات قوية لا أن تفرغها من معناها.
اللحظة الراهنة تفرض على الجميع قدرا عاليا من المسؤولية. فالصحافة المغربية أمام امتحان حقيقي: هل تجعل من المرحلة المؤقتة جسرا نحو إصلاح عميق وتوافق مهني واسع، أم تتحول اللجنة إلى مجرد حل ظرفي يؤجل الانفجار المقبل؟
إن قوة الصحافة لا تقاس بعدد منابرها، بل بقدرتها على تنظيم ذاتها، وصون استقلالها، وحماية كرامة منتسبيها. وكلما خف الأسلوب وثقل المعنى، كانت الرسالة أبلغ: المهنة تحتاج اليوم إلى عقل بارد، وإرادة جامعة، قبل أي صيغة قانونية جديدة.


Comments
0