لم يعد ما يحدث في سوق الفحم بمدينة العيون مجرد موجة غلاء عابرة يمكن استيعابها ضمن تقلبات العرض والطلب، بل تحول إلى نموذج صارخ لانفلات الأسعار في غياب رقابة فعالة وحازمة. بلوغ سعر الكيلوغرام عتبة 18 درهماً ليس رقماً عادياً، بل مؤشر خطير على اختلال التوازن بين حماية المستهلك وحرية السوق، وعلى تغول ممارسات لا تمت بصلة لقواعد المنافسة الشريفة.

الفحم، أو “الفاخر”، ليس سلعة ثانوية يمكن الاستغناء عنها بسهولة، بل عنصر مركزي في نمط العيش المحلي، وركيزة أساسية في طقوس الشاي الحساني التي تشكل جزءاً من الهوية الثقافية والاجتماعية للمنطقة. حين ترتفع أسعاره بهذا الشكل غير المبرر، فإن الأمر يتجاوز البعد الاقتصادي ليطال العمق الاجتماعي والثقافي، ويمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
الأخطر من الارتفاع نفسه هو هذا الصمت الذي يلفه. غياب توضيحات رسمية مقنعة، وتأخر تدخل الجهات المعنية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول فعالية آليات المراقبة، بل ويغذي الشكوك حول وجود تهاون أو تقاعس غير مبرر. في مثل هذه الحالات، لا يُفسَّر الصمت على أنه حياد، بل يُقرأ كإخلال بواجب الحماية، أو على الأقل كعجز عن ضبط السوق.
المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتشخيص الوضع أو تبريره بعوامل عامة، بل الانتقال إلى إجراءات ملموسة تعيد الانضباط إلى السوق. تفعيل لجان المراقبة، تشديد العقوبات على المضاربين، وضبط سلاسل التوزيع، كلها خطوات لا تحتمل التأجيل. فالسوق، مهما كان حراً، لا يمكن أن يُترك فريسة للمضاربة والاحتكار دون ضوابط واضحة وصارمة.
كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة لم يعد شعاراً نظرياً، بل ضرورة عملية لاستعادة ثقة المواطن. إذ لا يمكن مطالبة المستهلك بتحمل تبعات اختلالات لا يد له فيها، في وقت تغيب فيه المساءلة عن المتسببين الحقيقيين. استمرار هذا الوضع يفتح الباب أمام تكرار السيناريو ذاته في مواد أساسية أخرى، ما يهدد بتوسيع دائرة الاحتقان وفقدان الثقة في عدالة السوق.
إن ما يجري اليوم في سوق الفحم بالعيون هو اختبار حقيقي لمدى جدية التدخل العمومي في حماية القدرة الشرائية، ووضع حد لممارسات الاستغلال. إما أن تُفرض هيبة القانون وتُستعاد قواعد المنافسة السليمة، أو يُترك المجال مفتوحاً أمام مزيد من الانفلات. وفي كل الأحوال، يظل المواطن هو الحلقة الأضعف، يدفع الثمن كاملاً في صمت… إلى أن ينفد الصبر.


Comments
0