السياسة ليست سيناريو.. فمن يكتب المشهد الأخير؟ - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

السياسة ليست سيناريو.. فمن يكتب المشهد الأخير؟

مع الحدث ma3alhadet

لقد اعتاد المواطن المغربي في كل موسم انتخابي على نفس المشهد: وجوه جديدة تطل عليه من الشاشات والملصقات، خطابات محفوظة عن التنمية والكرامة، ووعود تُكتب على عجل وتُمحى بعد إسدال الستار. الفرق الوحيد أن الممثلين تغيروا، أما القصة فمكرورة. واليوم، ومع تزايد حضور الوجوه الفنية والمشاهير في لوائح الترشيح، يبدو أن السياسة تحولت فعلاً إلى مسرحية.. لكن من يكتب نصها؟ ومن يحدد نهايتها؟

اذ تعتبر السياسة في جوهرها مسؤولية وتدبير وتشريع يمس حياة الملايين. لكن ما نراه اليوم هو اختزالها إلى “صورة” و”كاريزما” و”حضور إعلامي”. 

فالأحزاب التي عجزت عن تأطير المواطن وتكوين نخب سياسية حقيقية، وجدت في الممثل والمؤثر ضالتها. ليس لأنه يملك برنامجاً أو خبرة في تدبير الشأن العام، بل لأنه يملك جمهوراً جاهزاً و”لايك” مضمون. فبدل أن يقنع الحزب الناخب بمشروعه، يقنعه بوجه مألوف على الشاشة.

وهنا تنقلب المعادلة: لا يعود الناخب يصوت لبرنامج، بل يصوت لشخصية يحبها. ولا يعود البرلماني يحاسب على أدائه، بل على عدد متابعيه. تحولنا من ديمقراطية برنامجية إلى ديمقراطية استهلاكية.  

ان الرهان على المشاهير هو اعتراف ضمني بفشل الآلة الحزبية. اعتراف بأن الأحزاب فقدت مصداقيتها فذهبت لتستعير مصداقية غيرها.

ولكن المشكل يكمن في كون  الشهرة ليست كفاءة. فإما ان تكون  قادراً على إضحاك الجمهور أو إبكائه و لا يعني أنك قادر على مناقشة قانون المالية أو الدفاع عن قضايا لان دائرتك تحت قبة البرلمان. ان السياسة ليست دوراً يُحفظ ويُلقى أمام الكاميرا.بل  هي عمل يومي شاق، تفاوض، توازنات، ومواجهة مع ملفات ثقيلة.

والنتيجة تكون برلماناً شكلياً، نواباً غائبين، ومشاريع قوانين تُمرر دون نقاش حقي. مشهد أنيق.. لكنه فارغ من الداخل. 

وإذا كانت السياسة مسرحية، فالممثل ليس من يكتب السيناريو. الممثل ينفذ ما يُطلب منه.

اذن وفي حالتنا، من يكتب السيناريو هو منطق المصالح والصور والتواصل الرقمي. هو من يحدد أن ما يهم ليس جودة النائب بل قدرته على جلب الأصوات. وهو من يجعل الحزب يختار “الأضمن انتخابياً” بدل “الأكفأ تدبيرياً”.

والأخطر أن الناخب نفسه يدخل هذا اللعب. يصوت للاسم المعروف لأنه أسهل من أن يبحث ويقارن بين البرامج. فيصبح شريكاً في كتابة مشهد نهائي لا يخدمه، بل يخدم من أخرجه.  

ان الثمن ندفعه جميعاً. ندفعه في قوانين لا تعكس حاجاتنا، وفي قرارات لا تستجيب لأزماتنا، وفي برلمان يفقد تدريجياً ثقة المواطن.

والمشهد الأخير الذي يُكتب الآن هو مشهد عزوف ولامبالاة. المواطن يقول: “كلهم سواء”. والشاب يقول: “لن أشارك لأن صوتي لا يغير شيئاً”. وهكذا تُفرغ المؤسسات من محتواها، ويُترك المجال فارغاً لمن لا يستحقه. 

وختاما ما لنا الا ان نقول بأن السياسة ليست سيناريو مكتوباً سلفاً ولا قدراً محتوماً. بل هي فعل جماعي يصنعه المواطن يومياً: بوعيه، بصوته، بمحاسبته.

واستعادة المشهد الأخير تبدأ بثلاثة أشياء:

الاحزاب: كفى من استسهال الطريق. ابنوا نخبكم، كونوا أطركم، وعودوا إلى التأطير الحقي بدل التسويق المؤقت.

الناخب: صوتك ليس مشهداً في مسلسل. هو قرار يحدد مستقبل أبنائك. لا تمنحه للوجه الأجمل، بل للفكرة الأقوى.

الاعلام: لا تجعل من الشهرة معياراً للشرعية. افتح النقاش حول البرامج لا حول الأسماء.

والمسرحية مستمرة.. لكن الستار لم يسدل بعد. السؤال ليس من سيظهر على الخشبة، بل من سيكتب النص، ومن سيصفق، ومن سيغادر القاعة لأنه مل من العرض.

فإما أن نستعيد قلم الكتابة، أو سنظل متفرجين على مسرحية لا تشبهنا ولا تعبر عنا.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث