تُعد قلعة مكونة من أبرز الأحواض العالمية لإنتاج الورد العطري (Rosa Damascena)، حيث يشكل هذا النشاط ركيزة اقتصادية واجتماعية لآلاف الفلاحين. غير أن السوق المحلية تعرف في السنوات الأخيرة تحولات مقلقة، سواء على مستوى بنية الفاعلين أو آليات تحديد الأسعار، ما يطرح تساؤلات جدية حول شفافية التنافس واستدامة القطاع.
أول ما يلفت الانتباه هو تمركز عملية التحويل في معملين رئيسيين: معمل تابع لشركة عطور المغرب،الذي يعتبر بالنسبة الساكنة المحلية ارثا اقتصاديا محليا يساهم في تثمين الورد العطري، ومعمل آخر كبير للتحويل مرتبط بشركة منافسة . هذا التمركز يخلق بطبيعته نوعًا من الاحتكار النسبي، حيث تصبح القدرة التفاوضية للفلاحين محدودة، خصوصًا في غياب قنوات تسويق بديلة منظمة.
في هذا السياق، برزت فئة من الوسطاء الذين دخلوا على خط شراء الورد الطري من الفلاحين. هؤلاء الوسطاء لعبوا دورًا حاسمًا في التأثير على الأسعار، حيث تشير المعطيات إلى أنهم ساهموا سابقًا في خفض ثمن الكيلوغرام إلى حدود 15 درهمًا أو أقل، وهو مستوى لا يغطي في كثير من الأحيان تكاليف الإنتاج. هذا الوضع أضعف الفلاحين وعمّق هشاشة السلسلة الإنتاجية.
المثير للجدل أكثر هو التصريحات المتكررة المنسوبة للمسؤولة عن معمل التحويل التابع لشركة عطور المغرب، والتي يُفهم منها وجود نوع من التوافق أو التنسيق مع الوسطاء. وإذا صحّ ذلك، فإنه يطرح إشكال تضارب المصالح وغياب المنافسة النزيهة.
اليوم 2 ماي 2026، يشهد السوق مفارقة لافتة:تحديد سعر شراء الورد الطري من طرف معمل عطور المغرب في حدود 12 درهمًا للكيلوغرام.في المقابل، قيام الوسطاء برفع السعر إلى 22 درهمًا أو أكثر !!.
هذا التباين الكبير والمفاجئ في الأسعار خلق حالة من الارتباك لدى المهنيين والفلاحين، الذين يتساءلون عن خلفيات هذا التحول: هل هو مجرد تفاعل طبيعي مع العرض والطلب، أم أنه يعكس صراعًا خفيًا لإعادة ترتيب موازين القوة داخل السوق؟تُطرح هنا فرضيات تحتاج إلى تمحيص، من بينها احتمال توظيف هذا الوضع للإضرار بسمعة شركة عطور المغرب، خاصة في ظل الحديث عن وجود علاقات عائلية بين مسؤولة المعمل المذكور وأطراف مرتبطة بالمعمل المنافس.
مثل هذه المعطيات، إن ثبتت، قد تعني أن السوق لا تُدار فقط بمنطق اقتصادي، بل أيضًا باعتبارات شخصية أو شبكات نفوذ.من زاوية أخرى، يمكن قراءة ما يحدث كاستراتيجية مزدوجة:من جهة، الضغط على سمعة فاعل صناعي معين عبر إظهار أسعار شراء ضعيفة؛ومن جهة ثانية، إعادة تقديم الوسيط كـ”منقذ” للفلاح من خلال رفع الأسعار، تمهيدًا لإضفاء الشرعية عليه وربما إدماجه لاحقًا في هيكلة أكثر رسمية (كمجمّع أو فاعل مهيكل).
غير أن هذه الدينامية تحمل مخاطر حقيقية. فالوسيط نفسه متهم من قبل اغلبية المهنيين بالمساهمة سابقًا في تبخيس قيمة الورد المحلي، بل وحتى بإدخال أصناف لا تنتمي للمنطقة، وهو ما بدأ يؤثر سلبًا على جودة المنتوج وعلى سمعة الورد العطري الاصيل لقلعة مكونة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي.
إن سوق الورد العطري بقلعة مكونة يقف اليوم عند مفترق طرق. التذبذب الحاد في الأسعار، وتضارب الأدوار بين المعامل والوسطاء، وغياب الشفافية، كلها عوامل تهدد استقرار القطاع. المطلوب بشكل عاجل هو:- تعزيز التنظيم البين مهني ليقوم بدوره المنوط به.- مراقبة جودة المنتوج وحماية الأصل المحلي.- فتح تحقيقات مهنية مستقلة عند وجود شبهات تضارب مصالح.بدون ذلك، قد يفقد هذا القطاع، الذي يمثل تراثًا اقتصاديا وبيئيا فريدا، توازنه وسمعته التي بُنيت عبر عقود و على حساب الفلاح .


Comments
0