من النادر في التاريخ السياسي المغربي أن نجد شخصية تُثير من النقاش ما أثاره السيد فوزي لقجع، ليس بوصفه وزيرًا أو مسؤولًا قطاعيًا فحسب، بل بوصفه “مشروع رجل دولة” يتجاوز منطق المحطات الانتخابية والمواقع الحزبية.
إن قراءة موقفه الأخير، في تفادي خوض غمار الانتخابات التشريعية، لا يمكن اختزالها في منطق الحسابات الضيقة أو التموقع الآني.
بل هي، في عمقها، تُحيل على سؤال جوهري: كيف يُصنع رجل الدولة في مغربٍ ما بعد “تجربة التناوب” وما قبل “تحولات ما بعد الدولة الوطنية التقليدية”؟المقارنة مع تجربة السيد فؤاد عالي الهمة، التي تحمل في طياتها دروسًا في صعود “التكنوقراط” إلى واجهة الفعل السياسي ثم تحوله إلى رقم في معادلة صعبة، تبقى مشروعة، لكنها لا تختزل الظاهرة.
فالسياق مختلف، والأدوات مختلفة، والرهانات أكبر.لقجع، بموقعه المالي والقاري، وبقدرته على التنقل بين الملفات السيادية بلغة الأرقام والتوافقات، يجسد نمطًا جديدًا من الفاعلين: لا هو بالسياسي المحض، ولا هو بالموظف السامي الكلاسيكي.
إنه في “منطقة رمادية” خصبة، تُتيح له أن يكون حاضرًا في القرار دون أن يتحمل وزر الصراع اليومي حول المقاعد والمواقع.لكن السؤال الذي يظل مطروحًا: هل رجل الدولة في المغرب من يصنعه الموقع، أم من تصنعه اللحظة التاريخية؟ في التاريخ المغربي، ارتبطت فكرة “رجل الدولة” غالبًا بمن جمعوا بين ثلاثية: القرب من مركز القرار، والقدرة على تدبير الملفات الصعبة، والانضباط لمنطق المؤسسة لا لمنطق القبيلة السياسية.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن فوزي لقجع يسير بوعي أو بغريزة على هذا الخط الرفيع، متجنبًا مغبة الاحتراق في أتون الصراعات الانتخابية، ومُبقيًا على “قيمته الرمزية” في سوق النخب.غير أن التاريخ يُعلّمنا أن “رجال الدولة” في المغرب لا يُعلنون عن أنفسهم، بل تفرضهم التحولات. وربما يكون لقجع، بموقفه هذا، يراهن على الزمن الطويل، حيث تُبنى المهام السيادية في صمت، بعيدًا عن ضجيج الحملات.
- ابراهيم جديد، “صحفي باحث في العلوم السياسية”


Comments
0