في زمنٍ صار فيه «الترند» يصنع الرأي قبل الحجة، خرج الدكتور محمد الفايد بتصريحات متكررة تناول فيها قضايا عقدية وتاريخية مرتبطة بسيرة النبي ﷺ وبثوابت الدين الإسلامي. وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً في الأوساط العلمية والإعلامية والشعبية، ليس لأن النقاش ممنوع، بل لأن طريقة الطرح اعتبرها كثيرون خروجاً عن ضوابط النقد العلمي إلى ساحة التهوين من المقدسات.
لقد اشتهر الدكتور الفايد بطرحه في مجال التغذية والطب البديل، وحقق متابعة واسعة. غير أنه سرعان ما انتقل من الحديث عن الغذاء والصحة إلى الخوض في مسائل تتعلق بالسيرة النبوية والحديث الشريف والفقه، بأسلوب اعتبره منتقدوه تهكمياً وتعميمياً.
وهنا يطرح سؤال المنهج نفسه: هل من حق أي باحث أن يتحدث في مختلف العلوم بالأدوات ذاتها؟
إن النقاش في الثوابت الدينية له أهله وأصوله، ويستند إلى علوم متراكمة، من علم الحديث وأصول الفقه والتاريخ وغيرها، وهي مجالات لا يمكن تجاوز مناهجها العلمية بشهادة أكاديمية في تخصص مختلف.
وأهم ما أخذه النقاد على الدكتور الفايد ليس مبدأ «المراجعة» في حد ذاته، بل الطريقة التي تم بها تناول هذه القضايا، ولا سيما من خلال ما يلي:
- بدل الحوار العلمي الهادئ، استُعملت ألفاظ وعبارات ساخرة اعتبرها جمهور واسع مساساً بمقام النبوة، الذي أمرنا الله تعالى بتوقيره: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾.
- تناول قضايا تُعد من الثوابت والإجماعات، مثل مكانة النبي ﷺ وضرورة اتباع سنته، بطريقة اعتبرها كثيرون تمهيداً لخلخلة المرجعية الدينية للمجتمع المغربي المسلم.
ومن هنا، فإن الرد على هذه التصريحات لم يأتِ من «تيار واحد»، بل صدر عن علماء وأساتذة جامعيين ونشطاء ومواطنين عاديين، انطلاقاً من اعتبار أن النبوة وثوابت الدين تمثل خطوطاً حمراء لدى شريحة واسعة من المغاربة.
والمجتمع المغربي، بحكم تركيبته الدينية والثقافية، يتمسك بالإسلام كجزء أساسي من هويته، كما ينص دستور المملكة على أن الإسلام دين الدولة. ولذلك، فإن أي طرح يُفهم منه المساس بهذه الثوابت قد يعتبره البعض تجاوزاً لحدود حرية الرأي، ليتحول النقاش من خلاف فكري إلى قضية مرتبطة بالهوية الجماعية.
ومع ذلك، فنحن لسنا ضد النقاش، بل على العكس؛ فالأمة تحتاج إلى تجديد الخطاب الديني ومراجعة بعض الممارسات والأفكار، متى كان ذلك في إطار علمي ومسؤول. غير أن التجديد، بدوره، له شروط وضوابط، من أبرزها:
- أن يتولى النقاش المتخصصون، أو من درسوا العلوم الشرعية دراسة أكاديمية رصينة.
- أن يكون النقد بعيداً عن السب والشتم والسخرية والاستهزاء.
- أن يكون الهدف هو البناء والإصلاح وتطوير الفكر، لا الهدم والتشكيك وإثارة الصدام.
إن حرية الرأي قيمة أساسية، لكنها لا تعني فوضى الرأي. كما أن مقام النبوة الشريفة ليس مادة للسخرية أو الاستعراض الإعلامي، وإنما هو مقام يحظى بمكانة راسخة في وجدان المسلمين.
وعلى الجميع، ومنهم الدكتور الفايد، أن يدرك أن قطاعاً واسعاً من الشعب المغربي يتمسك بوطنه ودينه ونبيه ﷺ، وأن من أراد خدمة الأمة، فالأجدر أن يفعل ذلك بالعلم والحجة والأدب، لا بما قد يسهم في إشعال فتيل التوتر بين دعاة «التنوير» والمدافعين عن «الثوابت».
فالنقد الذي يفتقد احترام المقدسات قد يتحول من ممارسة فكرية إلى استفزاز، ومن اجتهاد مشروع إلى تطاول، ومن حوار مطلوب إلى صدام مجتمعي لا يخدم لا العلم ولا المجتمع.


Comments
0