المنظمة الديمقراطية للوكالات الحضرية.. حين يتحول العمل النقابي إلى معركة من أجل الكرامة والجهوية والمرفق العمومي | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

المنظمة الديمقراطية للوكالات الحضرية.. حين يتحول العمل النقابي إلى معركة من أجل الكرامة والجهوية والمرفق العمومي

مع الحدث ma3alhadet

ليس العمل النقابي الحقيقي مجرد بيانات تصدر عند الأزمات، ولا حضوراً موسمياً في الوقفات واللقاءات، ولا سعياً إلى موقع داخل دواليب الإدارة أو السياسة. فالنقابة، في جوهرها، موقف ومسؤولية واستقلالية، وقدرة على قول الحقيقة، حتى عندما تكون هذه الحقيقة مكلفة.

ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة المنظمة الديمقراطية للوكالات الحضرية جديرة بالنقاش، ليس فقط باعتبارها إطاراً للدفاع عن المطالب المهنية والاجتماعية للمستخدمين، وإنما باعتبارها محاولة لبناء فعل نقابي يتجاوز منطق المطالبة الفئوية الضيقة، نحو الدفاع عن المرفق العمومي وحكامته ومستقبل المؤسسات التي يشتغل داخلها آلاف الموظفين والأطر.

فالمستخدم ليس مجرد رقم في كشوفات الأجور، والمؤسسة العمومية ليست مجرد بناية ومكاتب ومراسلات إدارية. فكلاهما جزء من منظومة عمومية يفترض أن تكون في خدمة المواطن، وأن تضمن، في الوقت نفسه، الكرامة والاستقرار والإنصاف لمن يساهمون في تسييرها.

الاستقلالية.. الشرط الأول لنقابة تستطيع قول الحقيقة

لا يمكن للعمل النقابي أن يكون قوياً إذا فقد استقلاليته.

فالنقابة التي تتحول إلى ملحق تنظيمي أو انتخابي لحزب سياسي تفقد، بشكل أو بآخر، قدرتها على ممارسة النقد والمساءلة. أما النقابي المستقل، فهو الذي يستطيع أن يقول للحكومة: أخطأت عندما تخطئ، وللإدارة: قصّرت عندما تقصر، وللمسؤول: أحسنت عندما تنجح، وللمستخدم أيضاً: أخطأت عندما يخطئ.

هذه هي الاستقلالية التي ينبغي أن تكون قاعدة لأي عمل نقابي جاد: لا ولاء إلا للمؤسسة، ولحقوق المستخدمين، وللمصلحة العامة.

ومن هنا، فإن قوة المنظمة الديمقراطية للوكالات الحضرية لا ينبغي أن تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على مسافة واحدة من الجميع، وعلى الدفاع عن مواقفها بعيداً عن الحسابات الحزبية والانتخابية.

النقابة لا تصفي الحسابات.. بل تفتح الملفات

هناك فرق كبير بين النقابة التي تبحث عن الصدام من أجل الصدام، والنقابة التي تطرح الأسئلة الصعبة دفاعاً عن المرفق العمومي.

من أين تأتي الموارد؟ وكيف يتم تدبيرها؟ وما هي معايير التعيين وتحمل المسؤوليات؟ وهل تشكل الكفاءة والاستحقاق المحددين الأساسيين؟ وهل توجد حكامة حقيقية؟ وهل يستفيد المستخدمون فعلاً من نتائج الإصلاحات التي تعرفها مؤسساتهم؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً نقابياً، بل جزء من صميم الدفاع عن المؤسسة العمومية.

وعندما تضع المنظمة الديمقراطية للوكالات الحضرية قضايا الفساد والريع وسوء التدبير وتضارب المصالح ضمن دائرة اهتمامها، فإن القضية ينبغي ألا تُفهم باعتبارها معركة ضد أشخاص بعينهم، وإنما باعتبارها دفاعاً عن مبدأ بسيط: المرفق العمومي ملك للمجتمع، والمسؤولية داخله تكليف وليست امتيازاً.

القانون 64.23.. هل نحن أمام جهوية حقيقية أم مجرد إعادة ترتيب إداري؟

تكتسي مسألة إحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان أهمية خاصة في المرحلة الراهنة.

فمشروع القانون رقم 64.23 المتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان يتجه نحو إعادة تنظيم هذا المجال على أساس جهوي، من خلال إحداث وكالات تغطي جهات المملكة، مع إمكانية إحداث تمثيليات إقليمية، وإعادة تحديد الاختصاصات والأدوار المرتبطة بالتخطيط والتدبير الحضري والترابي ومواكبة الاستثمار.

ومن حيث المبدأ، لا يمكن أن يكون الموقف النقابي ضد الإصلاح لمجرد أنه إصلاح.

لكن السؤال الحقيقي هو: أي إصلاح نريد؟

فالجهوية ليست مجرد نقل الاختصاصات من الإدارة المركزية إلى مؤسسة جهوية، وليست تغييراً في أسماء المؤسسات أو مقراتها. فالجهوية الحقيقية تعني أن يشعر المواطن في طنجة كما في الرشيدية، وفي الحسيمة كما في زاكورة، بأن المؤسسة العمومية أصبحت أقرب إليه وأكثر قدرة على الاستجابة لحاجاته.

كما تعني أن تكون التمثيليات الإقليمية، حيثما أُحدثت، مؤسسات حقيقية وفعالة، وليست مجرد واجهات إدارية محدودة الصلاحيات.

ومشروع القانون 64.23، الذي قطع مراحل متقدمة في مساره التشريعي، بعد مناقشته داخل مجلس المستشارين وتقديم تعديلات بشأنه من الحكومة والأغلبية والمعارضة والمنظمات النقابية وممثلي أرباب العمل، وصولاً إلى المصادقة عليه في الجلسة العامة بتاريخ 29 يونيو 2026، يضع الحركة النقابية أمام مسؤولية أكبر.

والمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالاعتراض، وإنما المشاركة في صناعة البديل.

لا نريد جهات قوية في المركز وأطرافاً ضعيفة في الهامش

إذا كانت الجهوية هي الهدف، فلا ينبغي أن تتحول إلى شكل جديد من أشكال المركزية.

ليس من المنطقي أن تكون المؤسسات قوية في بعض المراكز، بينما تظل الأقاليم البعيدة تعاني من ضعف الموارد البشرية والوسائل والإمكانات.

فالمواطن الذي يعيش بعيداً عن مركز الجهة لا ينبغي أن يضطر إلى قطع عشرات أو مئات الكيلومترات من أجل خدمة إدارية يمكن توفيرها بالقرب منه.

وهنا تبرز أهمية التمثيليات الإقليمية الفعالة، ليس فقط لخدمة المواطن، وإنما أيضاً لضمان عدالة مهنية ومجالية داخل المؤسسة نفسها.

والمنظمة النقابية مطالبة بدورها بأن تكون حاضرة في مختلف جهات المملكة، وأن تسمع صوت المستخدمين في الشمال والشرق والجنوب والوسط، وألا يتحول العمل النقابي بدوره إلى ممارسة متمركزة في الرباط.

فالجهوية التي نطالب بها للمؤسسات يجب أن نمارسها أيضاً داخل التنظيم النقابي.

المستخدم ليس مجرد أجير.. إنه شريك في بناء المؤسسة

من الخطأ اختزال المطالب النقابية في الزيادة في الأجور والتعويضات.

فالأجر مهم، لكنه ليس كل شيء.

المستخدم يحتاج إلى مؤسسة يشعر داخلها بالأمان والاستقرار والاعتراف، ويستفيد من خدمات اجتماعية حقيقية تواكب احتياجاته واحتياجات أسرته.

ولهذا، ينبغي أن يحتل ملف الأعمال الاجتماعية موقعاً مركزياً في المشروع النقابي، من خلال:

  • تطوير مؤسسات حقيقية وفعالة للأعمال الاجتماعية؛
  • توفير برامج سكنية ملائمة للمستخدمين؛
  • تمكين مستخدمي ومنتخبي قطاع الإسكان والتعمير من الاستفادة من تسهيلات وبرامج سكنية، وفق معايير واضحة وشفافة؛
  • إحداث آليات للقروض والتمويل الاجتماعي بشروط تفضيلية، مع دراسة الصيغ المتوافقة مع الإمكانات القانونية والمالية؛
  • دعم تعليم أبناء المستخدمين والتكوين المستمر؛
  • تطوير الخدمات الصحية والرياضية والثقافية والاجتماعية؛
  • بناء شراكات توفر خدمات وامتيازات اجتماعية حقيقية لفائدة المستخدمين.

فمن يساهم يومياً في إنتاج الخدمة العمومية وتدبيرها، من حقه أن يجد مؤسسة تحمي كرامته وتوفر له شروط الاستقرار الاجتماعي.

حق الإضراب لا يلغي واجب الحوار.. والحوار لا ينبغي أن يلغي حق الاحتجاج

أصبح القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب جزءاً من الواقع التشريعي، بعد مسار طويل من النقاش.

لكن النقاش حول الإضراب يجب ألا يُحصر في حدود القانون والإجراءات.

فالإضراب، في النهاية، ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة من وسائل الدفاع عن الحقوق عندما تفشل آليات الحوار والتفاوض.

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية للحركة النقابية ينبغي أن تكون من أجل حوار اجتماعي مؤسساتي وحقيقي، وليس حواراً شكلياً يتم اللجوء إليه فقط لامتصاص الاحتقان.

ولا يمكن بناء علاقات مهنية سليمة إذا كانت القرارات الكبرى المتعلقة بمستقبل المؤسسات والموارد البشرية تمر دون إشراك فعلي لممثلي المستخدمين.

والقاعدة بسيطة:

كلما كان الحوار جدياً، تقلصت الحاجة إلى الاحتجاج. وكلما غاب الحوار، اتسعت مساحة الاحتقان.

الديمقراطية النقابية تبدأ من الداخل

لا يمكن لتنظيم نقابي أن يطالب بالديمقراطية الاجتماعية وهو لا يمارسها داخلياً.

فالتمثيلية النقابية ليست مجرد شعار، والانتخابات المهنية ليست إجراءً تقنياً، وإنما هي أساس الشرعية التي تستمد منها النقابات قوتها في التفاوض والدفاع والمساءلة.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة بناء الثقة في العمل النقابي من خلال انتخابات مهنية نزيهة وشفافة، ومن خلال مؤسسات نقابية تسمح بالتداول والمحاسبة وتجديد المسؤوليات وإشراك القواعد في صناعة القرار.

ومن هنا، فإن المنظمة الديمقراطية للوكالات الحضرية مطالبة بأن تجعل من ديمقراطيتها الداخلية جزءاً من هويتها، لا مجرد عنوان.

المنظمة القوية ليست منظمة أشخاص

أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه أي منظمة نقابية هو أن تختزل نفسها في شخص أو مسؤول أو مرحلة.

الأشخاص يتغيرون، والمسؤوليات تتبدل، لكن المؤسسة النقابية التي تمتلك مشروعاً حقيقياً تستطيع الاستمرار.

لهذا، فإن الرهان الحقيقي أمام المنظمة الديمقراطية للوكالات الحضرية هو بناء تنظيم وطني قوي، ديمقراطي، جهوي، مستقل ومفتوح أمام الكفاءات والأجيال الجديدة.

فالقوة ليست في كثرة البيانات، ولا في عدد الصور المنشورة بعد الاجتماعات.

القوة الحقيقية هي أن تمتلك المنظمة مناضلين مؤهلين، ومؤسسات منتخبة، وخطاباً واضحاً، ورؤية مستقبلية، وآليات للمحاسبة والتقييم.

لحظة مفصلية تستدعي عقداً نقابياً جديداً

نحن أمام مرحلة يمكن أن تشكل نقطة تحول في تاريخ الوكالات الحضرية وقطاع التعمير والإسكان.

فإعادة تنظيم المؤسسات يمكن أن تكون فرصة لبناء نموذج أكثر فعالية في التخطيط والتعمير والسكن، وتعزيز العدالة المجالية، وتقريب الإدارة من المواطن.

لكنها يمكن أيضاً أن تتحول إلى مجرد إعادة ترتيب إداري إذا لم تواكبها رؤية واضحة للموارد البشرية، والحكامة، والتمثيلية الترابية، والاستقرار المهني، والأعمال الاجتماعية.

لهذا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة هي:

نعم للإصلاح، ولكن ليس إصلاحاً يدفع المستخدم ثمنه.

نعم للجهوية، ولكن ليست جهوية تعيد إنتاج المركزية.

نعم لتحديث المؤسسات، ولكن دون المساس بالمكتسبات والحقوق.

نعم للحوار الاجتماعي، ولكن ليس لحوار شكلي.

نعم للحكامة، ولكن لا للريع وتضارب المصالح.

نعم لمؤسسات قوية وفعالة، تخدم المواطن وتحمي كرامة المستخدم.

إن مستقبل المنظمة الديمقراطية للوكالات الحضرية لا ينبغي أن يُقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن مطلب مهني هنا أو تعويض هناك، وإنما بقدرتها على التحول إلى قوة نقابية واقتراحية تساهم في صياغة مستقبل مؤسساتها.

قوة تدافع عن المستخدم، ولكنها في الوقت نفسه تدافع عن المرفق العمومي.

قوة تنتقد الاختلال، ولكنها تقترح البديل.

قوة ترفض الريع، ولكنها لا ترفض الإصلاح.

قوة تطالب بالجهوية، ولكنها تمارسها داخل تنظيمها.

وقوة تجعل من الكرامة المهنية والعدالة الاجتماعية والحكامة والعدالة المجالية ركائز لمشروع نقابي جديد.

ذلك هو المعنى الحقيقي للعمل النقابي.

وذلك أيضاً هو التحدي الذي يفرض نفسه اليوم أمام المنظمة الديمقراطية للوكالات الحضرية: أن تنتقل من مجرد الدفاع عن المطالب إلى المساهمة في صناعة مستقبل المؤسسة والمرفق العمومي، وأن تجعل من استقلاليتها وديمقراطيتها وامتدادها الجهوي أدوات فعل وتأثير، لا مجرد شعارات.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث