توريث المناصب والمحسوبية السياسية: حين تتحول العائلات إلى ممر للنفوذ | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

توريث المناصب والمحسوبية السياسية: حين تتحول العائلات إلى ممر للنفوذ

مع الحدث ma3alhadet

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي أو محطة تنظيمية، يعود إلى الواجهة النقاش حول طبيعة النخب التي تقود الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة بالمغرب، وحول ظاهرة أصبحت تثير كثيراً من الجدل، تتمثل في الحضور المتكرر لأسماء عائلية بعينها داخل مواقع القرار، سواء على المستوى الحزبي أو الانتخابي.

ففي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الأحزاب السياسية فضاءات مفتوحة أمام الكفاءات والمناضلين، تقوم على التنافس وتكافؤ الفرص والاستحقاق، يُلاحظ، في بعض الحالات، بروز عائلات سياسية تحافظ على حضورها داخل دواليب التنظيمات والمؤسسات المنتخبة، حيث ينتقل النفوذ من الآباء إلى الأبناء، وأحياناً بين الأزواج والزوجات وأفراد آخرين من العائلة.

ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بمجرد وجود أكثر من فرد من العائلة نفسها في الحياة السياسية، فهذا الأمر لا يشكل في حد ذاته مخالفة، ولا يمكن اعتباره دليلاً تلقائياً على المحسوبية. غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يصبح الانتماء العائلي أو النفوذ الشخصي عاملاً حاسماً في الحصول على التزكية أو تحمل المسؤولية، على حساب الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.

وقد أفرز هذا الوضع، في بعض الحالات، ما يشبه «العائلات النافذة» التي راكمت حضوراً سياسياً وانتخابياً على مدى سنوات، فأصبحت بعض المواقع القيادية والانتخابية تدور داخل الدائرة نفسها، في الوقت الذي يجد فيه مناضلون جدد وكفاءات شابة أنفسهم أمام حواجز غير معلنة تحول دون وصولهم إلى مواقع القرار.

والأخطر من ذلك أن استمرار مثل هذه الممارسات قد يحول العمل الحزبي من فضاء للتأطير السياسي وتكوين النخب إلى مجال تحكمه شبكات النفوذ والعلاقات الشخصية. وعندما يشعر الشاب أو المناضل بأن مستقبله السياسي لا تحدده قدراته ومجهوده، وإنما قربه من مراكز القرار أو انتماؤه إلى عائلة معروفة، فإن النتيجة الطبيعية قد تكون الإحباط والعزوف وفقدان الثقة في جدوى العمل الحزبي.

كما أن تكرار الوجوه والأسماء نفسها داخل المؤسسات المنتخبة يطرح سؤالاً أوسع حول قدرة الأحزاب على تجديد نخبها وفتح أبوابها أمام الطاقات الجديدة. فالديمقراطية لا تعني فقط تنظيم الانتخابات، وإنما تعني أيضاً التداول على المسؤولية، وتجديد النخب، وإتاحة الفرصة أمام مختلف الكفاءات للمساهمة في تدبير الشأن العام.

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق العائلات وحدها، بل تتحمل الأحزاب السياسية جزءاً أساسياً منها، باعتبارها مطالبة بإرساء قواعد واضحة وشفافة لاختيار المرشحين والمسؤولين، وتفعيل الديمقراطية الداخلية، وربط تحمل المسؤولية بالكفاءة والاستحقاق، بعيداً عن منطق الولاء أو النفوذ أو العلاقات العائلية.

إن وجود أبناء أو أزواج أو أقارب لمسؤولين في الحياة السياسية ليس مشكلة في حد ذاته، فالمعيار الحقيقي يجب أن يظل هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية وخدمة المواطنين. أما عندما تتحول القرابة إلى وسيلة للترقي السياسي ومفتاح للوصول إلى مواقع القرار، فإن الأمر يصبح جديراً بالنقاش والمساءلة السياسية والأخلاقية.

والمغرب اليوم في حاجة إلى تجديد حقيقي لنخبه السياسية، وإلى أحزاب قادرة على استقطاب الشباب والكفاءات وفتح المجال أمام الطاقات الجديدة، لا إلى إعادة إنتاج الوجوه نفسها داخل دوائر النفوذ. فالمناصب السياسية ليست إرثاً عائلياً، والأحزاب ليست ملكيات خاصة، والمؤسسات المنتخبة يجب أن تظل فضاءً لخدمة المواطنين وتدبير الشأن العام، لا مجالاً لتكريس نفوذ العائلات.

وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع الأحزاب المغربية الانتقال من منطق توريث النفوذ إلى منطق تداول المسؤولية، ومن منطق العلاقات الشخصية إلى منطق الاستحقاق والكفاءة؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي لمدى قدرة الأحزاب على تجديد نفسها، وفتح المجال أمام أجيال جديدة، واستعادة ثقة المواطن في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث