في تصريحات أثارت الانتباه وفتحت من جديد النقاش حول واقع الإدارة العمومية ومدى احترام أوقات العمل، وجّه وزير العدل السيد عبد اللطيف وهبي رسالة شديدة اللهجة إلى الموظفين المتغيبين عن مقرات عملهم دون مبررات قانونية، معلناً عزمه تشديد إجراءات المراقبة، والتوجه نحو عزل كل موظف يثبت تغيبه خلال أوقات العمل الرسمية دون عذر مشروع.
وخلال اجتماع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، اليوم الأربعاء 4 نونبر 2026، كشف وهبي عن اختلالات وصفها بالكبيرة في تدبير الحضور والغياب داخل بعض المحاكم، مستحضراً وضعية إحدى الدوائر القضائية التي لا يلتحق فيها بمقرات العمل سوى نحو 10 موظفين من أصل 160 اسماً مسجلاً، في صورة تطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة تدبير الموارد البشرية داخل بعض المؤسسات القضائية.
ولم يقف السيد الوزير عند حدود التشخيص، بل أعلن موقفاً صارماً من هذه الممارسات، مؤكداً أن كل موظف تضبطه لجان التفتيش غائباً عن عمله دون مبرر قانوني سيكون عرضة للعزل، مع احترام الحالات التي يثبت فيها وجود عذر مشروع، كالمرض وغيره من الأسباب المقبولة قانوناً.
ومن بين الوقائع التي استحضرها وهبي، حالة موظفة تقيم خارج المغرب رفقة زوجها، بينما يستمر تسجيل حضورها اليومي في مقر العمل، متسائلاً عن الجهة التي تتولى إثبات حضورها في غيابها الفعلي ، وهي واقعة إن تأكدت وفق المساطر الإدارية والقانونية، تثير إشكالاً جدياً بشأن مراقبة الحضور والمسؤولية عن التوقيع أو تسجيله نيابة عن الغير.
كما أشار الوزير إلى أن عمليات التفتيش المفاجئ، التي شملت عدداً من المحاكم، كشفت حالات غياب ترتبت عنها إجراءات تأديبية، مستحضراً تجربة مدينة تطوان، ومشدداً على أن التساهل في التعامل مع مثل هذه الملفات لن يكون مقبولاً.
وفي المقابل أقر السيد وهبي بصعوبة ضبط الحضور بالوسائل التقنية الحالية، موضحاً أن اعتماد البصمة الإلكترونية يواجه إكراهات مرتبطة بتعدد مداخل المحاكم، فيما لا يضمن تسجيل الدخول عبر الحاسوب وجود الموظف فعلياً، ما دامت إمكانية تبادل كلمات المرور قائمة.
المواطن في قلب هذا النقاش.. من يحمي حقه في خدمة إدارية منتظمة؟
إن خطورة ظاهرة التغيب غير المشروع لا تتوقف عند حدود الإخلال بالواجب المهني، بل تمتد آثارها إلى المواطن الذي يقصد المحكمة لقضاء مصالحه، وقد يجد نفسه أمام مكاتب مغلقة أو خدمات متأخرة، رغم أن الإدارة يفترض أن تكون في خدمته خلال الأوقات الرسمية.
فالموظف العمومي يتقاضى أجره من المال العام، مقابل أداء مهام محددة وخدمة المواطنين، وهو ما يجعل الحضور والالتزام والمسؤولية المهنية من صميم الواجبات التي لا ينبغي التعامل معها بمنطق التساهل أو الاستثناءات غير المبررة.
لكن في المقابل تظل المحاسبة الحقيقية مرتبطة بتطبيق القانون، والتحقق من الوقائع، وضمان حق الموظف في الدفاع عن نفسه، حتى لا تتحول إجراءات الزجر إلى قرارات خارج الضوابط القانونية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستنجح وزارة العدل في وضع حد لظاهرة الموظفين الأشباح، وتنتقل من التصريحات والتفتيش الظرفي إلى منظومة مراقبة ومحاسبة دائمة، تعيد الانضباط إلى المرافق القضائية وتحفظ حق المواطن في خدمة عمومية تليق بانتظاراته؟
فالإدارة ليست مجرد مكاتب وأسماء في سجلات الموظفين، بل مسؤولية يومية تجاه المواطن والمال العام وثقة المغاربة في مؤسساتهم.
وزير العدل السيد وهبي يفتح ملف الموظفين الأشباح بالمحاكم.. 160 موظفاً على الورق و10 فقط في مكاتبهم! والعزل يلوح في الأفق


Comments
0