الدكتورة اسية اقصبي....صوت يبني العقول ويمس القلوب - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

الدكتورة اسية اقصبي….صوت يبني العقول ويمس القلوب

IMG-20251126-WA0000

هناك أشخاص يكون حضورهم أكبر من أدوارهم، وأعمق من سيرتهم، لأنهم يتركون أثرًا يشبه اللمسة الهادئة التي لا يراها الجميع، لكن الجميع يشعر بها. والدكتورة آسية أقصبي واحدة من هؤلاء الذين عملوا بصمت، بصبر، وبقناعة أن بناء الإنسان أهم من أي نجاح آخر.

منذ بداياتها الأولى، كان اهتمامها موجّهًا نحو النفس البشرية، نحو ما يخفيه الإنسان خلف الصمت، وما يحمله الأطفال خلف الابتسامة، وما يحتاجه المجتمع ليُعيد ترتيب علاقته بالصحة النفسية. هذه الرؤية لم تبق مجرد إحساس داخلي، بل تحوّلت مع الوقت إلى مشروع متكامل حين أسست المدرسة العليا لعلم النفس (ESP) سنة 2003 في الدار البيضاء. كانت ترى أن المغرب بحاجة إلى فضاء يُدرّس علم النفس بجدية، وبمرجعيات علمية معروفة عالميًا، ويمنح الطلبة تكوينًا حقيقيًا يجعلهم قادرين على العمل في المجال الإكلينيكي بوعي ومسؤولية.

ومع السنوات، تحولت ESP إلى بيت علمي وإنساني في الوقت نفسه. كثير من الطلبة مرّوا منها يحملون مخاوفهم، أحلامهم، وترددهم، وخرجوا منها يحملون هوية مهنية واضحة، وثقة في أنفسهم، وكفاءات تسمح لهم بالعمل في المستشفيات، المؤسسات، والجمعيات. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، فقد كانت الدكتورة آسية تولي أهمية كبيرة للتكوين العملي، للتجريب، وللاحتكاك المباشر بالمرضى، لأن الصحة النفسية بالنسبة لها ليست دروسًا تلقيها القاعات فقط وإنما علاقة أصغاء، ومسؤولية.

إلى جانب التكوين انخرطت في العمل العمومي وشاركت بصوتها في النقاشات المتعلقة بالصحة النفسية داخل المجتمع. ظهرت في برامج ولقاءات إعلامية، وفتحت حوارات حول الأسرة، الطفولة، العلاقات، وتأثير الضغوط اليومية على الإنسان. وكانت رسالتها دائمًا ثابتة: “النفس تحتاج إلى عناية مثل الجسد، وربما أكثر”. هذا الحضور ساهم في تقريب علم النفس من الناس، وفي جعل الكثيرين يفهمون أن طلب المساعدة النفسية خطوة قوة وليست ضعفًا.

وفي مسارها المهني، كانت لها مسؤوليات واعترافات رسمية تعكس ثقة المؤسسات في كفاءتها، منها تعيينها عضوًا في المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حيث ساهمت بخبرتها في النقاشات المتعلقة بتطوير التعليم والتكوين، خاصة ما يلامس البعد الإنساني والمعرفي.

كما شاركت في مبادرات ثقافية وإنسانية داخل وخارج المدرسة وواكبت مشاريع تُعطي الأولوية للطفولة وللتربية النفسية وللوقاية. وقدّمت سنوات طويلة من التدريس والبحث والإشراف، مما جعل اسمها يرتبط بجيل كامل من الأخصائيين النفسيين الذين يعترفون اليوم بأن بصمتها رافقتهم في خطواتهم الأولى.

لم تكن الدكتورة آسية بحاجة إلى الكثير من الخطابات أو الضجيج حولها. حياتها كانت موجهة نحو العمل نحو البناء الهادئ، نحو خلق فضاء يحترم الإنسان ومعاناته ويؤمن بقدرته على التغيير. لهذا كل من عرفها أو عمل معها يصفها بنفس العبارة: “إنسانة قبل كل شيء”.

وهذه الصفة وحدها تكفي لتشرح لماذا استطاعت أن تجمع بين العلم والتأثير، وبين المهنية والدفء، وبين الإدارة والإنصات.

اليوم، حين يُذكر اسم آسية أقصبي لا يُذكر فقط لأنها أسست مدرسة، أو لأنها كانت عضوة في مجلس وطني أو لأنها قدّمت برامج ولقاءات. يُذكر لأنها من الأشخاص الذين صنعوا فرقًا حقيقيًا في مسار علم النفس بالمغرب، وأعادوا لهذا المجال قيمته، واحترامه، ومكانته.

ويُذكر لأنها آمنت بالإنسان… وبقيت وفية لهذا الإيمان حتى النهاية

وفي نهاية هذا المسار الذي تحضنه الدكتورة آسية أقصبي، يظلّ الأثر أكبر من الكلمات، ويظلّ حضورها علامة مضيئة في طريق كل من مرّ من المدرسة العليا لعلم النفس، أو اقترب من عالم الصحة النفسية يومًا. لقد اختارت أن تخدم الإنسان من بابه الأعمق، باب النفس التي تحتاج إلى من يفهمها، يصغي إليها ويرفع عنها ثقل التجارب. بعزمها الهادئ، وبخطوات لا تبحث عن التصفيق، خلقت مساحات للتكوين والفهم، والعمل الجادّ، وفتحت أمام الشباب أبوابًا كان الوصول إليها يحلم به الكثيرون.

إن الحديث عنها ليس مجرد سرد لسيرة مهنية، بل هو اعتراف بقيمة التراكم، بالجهد الصامت، وبالإيمان العميق بأن المعرفة الحقة تُغيّر الحياة. ومع كل ذلك، تبقى روحها الهادئة وقيمها الإنسانية هي البصمة الأجمل في رحلتها والبوصلة التي جعلت من علم النفس مشروعًا حيًا يتحرك داخل المجتمع وفي قلوب الطلبة قبل دفاترهم.

وكم هو جميل أن يمرّ في هذا الزمن أشخاص يتركون خلفهم معنى، لا ضجيجًا… وأسية أقصبي واحدة من هؤلاء.

هي امرأة حملت علم النفس بيديها، ورفعته بالقلب أولًا وبالعمل دائمًا

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث