من الكنيس الاقتصادي إلى أروقة السياسة: مسارات السلطة والنموذج التنموي في المغرب - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

من الكنيس الاقتصادي إلى أروقة السياسة: مسارات السلطة والنموذج التنموي في المغرب

تصميم بدون عنوان

ظهرت خلال الفترة الأخيرة تحليلات تبحث في التداخل بين السلطة الاقتصادية والسياسية في المغرب، مركزة على نموذج رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش كحالة دراسية. ويسلط مقال من موقع “مغرب الآن” الضوء على ما وصفه بتحول “السلطة الاقتصادية إلى عبء سياسي”، من خلال قراءة تحليلية لمسار عزيز أخنوش مستندة إلى مساهمة فكرية للدكتور إدريس قصور. وتطرح هذه القراءة جملة من التساؤلات حول نموذج الحكم وطبيعة النخب المسيرة للشأن العام.

يبدأ التحليل بالتشكيك في وصف أخنوش التقليدي كـ “رجل اقتصاد” بالمعنى الكلاسيكي الأكاديمي، والذي يفترض عادة احترام قواعد المنافسة النزيهة والفصل بين المال والسلطة. ويقدم الكاتب رؤية مفادها أن الصعود الاقتصادي لأخنوش قد يكون نتاج “هندسة سلطوية” سابقة في مرحلة كانت فيها الدولة تلعب دورًا محوريًا في تشكيل النخب الاقتصادية، مما يفرز -بحسب هذا الطرح النقدي- فاعلين يتحركون خارج منطق السوق الخالص أو المحاسبة الديمقراطية المباشرة.

ومعلوم أن رئيس الحكومة، المولود سنة 1961، يتزعم مجموعة “أكوا” الاقتصادية العملاقة، التي تنشط في مجالات الطاقة والإعلام والفلاحة، وصنفته مجلة “فوربس” ضمن قائمة الأثرياء العرب لعام 2025. ويركز المقال على أن هذا المسار أدى إلى تجسيد النقاش حوله ليس كشخص، بل كنموذج لتداخل المال مع السلطة في تدبير الشأن العام.

ينتقل النقاش إلى كيفية انتقال نفس هذا المنطق، وفقًا للتحليل، إلى الحقل السياسي. ويشير إلى أن وصول أخنوش إلى رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار ثم رئاسة الحكومة لم يكن نتاج مسار سياسي تقليدي متدرج، بل جاء كـ “رجل مرحلة” لملء فراغ سياسي نتج عن تصاعد نفوذ حزب العدالة والتنمية بعد 2011، ثم حالة الجمود الحكومي التي أعقبت ذلك.

أما على الأرض، فقد واجهت حكومة أخنوش احتجاجات متعددة، من أبرزها احتجاجات حركة “جيل زد 212” الشبابية في سبتمبر 2025 التي طالبت بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية. كما واجه اتهامات بتضارب المصالح، خاصة مع فوز تحالفات تضم شركات من مجموعته بصفقات حكومية كبرى، مثل مشروع محطة تحلية مياه البحر في الدار البيضاء، وهو ما كان قد نفاه مؤكدا على شفافية الإجراءات. ويشير التحليل إلى أن هذه التحديات قد تحول شخصية أخنوش في المخيال الشعبي من “رجل إنقاذ” منتظر إلى “عبء رمزي” وعنوان للاحتقان الاجتماعي المتراكم.

في المقابل، يتزامن هذا النقاش الداخلي مع حضور دبلوماسي واقتصادي دولي بارز لرئيس الحكومة. فقد شارك أخنوش مؤخرًا في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث استعرض نموذج “الدولة الاجتماعية” في المغرب الذي يجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، والتقى مع عدد من القادة والفاعلين الاقتصاديين العالميين. كما يستعرض حزبه إنجازات الحكومة في المجال الاقتصادي، متحدثًا عن نمو اقتصادي متوقع يقارب خمسة بالمائة لعام 2025، وتراجع التضخم إلى مستويات متدنية، وتقليص العجز المالي والمديونية، بالإضافة إلى برامج الحماية الاجتماعية الطموحة التي تشمل ملايين المواطنين.

وفي كلمة له أمام المجلس الوطني لحزبه، أكد أخنوش على أن “الأحرار” قوة سياسية ومجتمعية تصنع التغيير من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر، مشددًا على أن المغرب يشهد مرحلة متقدمة من مساره التنموي وفق النموذج الإصلاحي الذي يقوده الملك محمد السادس.

يخلص التحليل الذي قدمته المساهمة الفكرية إلى طرح سؤال استراتيجي حساس حول المستقبل: هل يمكن أن يصبح استمرار نفس الوجوه والسياسات عنصر توتر في مرحلة دقيقة، خصوصًا مع استحقاقات كبرى قادمة مثل استضافة كأس العالم 2030؟ ولا يدعو النص إلى صدام، بل إلى استباق سياسي يقوم على تجديد النخب وتنقية المشهد السياسي وإعادة الاعتبار للثقة بين الدولة والمجتمع.

وبعيدًا عن لغة الإدانة، فإن هذه القراءة التحليلية تفتح باب نقاش أوسع حول ثلاثة محاور أساسية: النموذج الاقتصادي القائم وآليات المنافسة فيه، وهندسة الحقل الحزبي وشروط المشاركة، وشروط ضمان الاستقرار المجتمعي في مرحلة تحول تاريخية. ويبقى السؤال الأعمق مطروحًا: هل تحتاج المرحلة المقبلة إلى الاستمرارية في الإطار القائم أم إلى “نفس جديد” يستجيب لتطلعات المجتمع وتحديات المستقبل؟

إن النقاش الذي أثارته القراءة التحليلية لمسار عزيز أخنوش يتجاوز الشخص إلى الظاهرة، ويطرح أسئلة جوهرية حول آليات صناعة النخب وحدود تداخل المجالات في الدولة الحديثة. فالمغرب، وهو يستعد لاستحقاقات وطنية ودولية مصيرية، مطالب بموازنة دقيقة بين متطلبات الاستقرار وإكراهات التجديد، بين منطق الكفاءة التقنية وشرعية التمثيل السياسي، وبين ضرورات النمو الاقتصادي ومطالب العدالة الاجتماعية. وقد يكون الوقت مناسبًا لحوار وطني شامل يعيد تعريف قواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية بما يضمن الشفافية والمنافسة العادلة والثقة بين الدولة والمواطنين، فذلك هو الضمان الحقيقي لاستقرار مسيرة التنمية والتقدم.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث