يعد الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يوم 14 أكتوبر 2016، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة، من بين أهم الخطب التي وضعت خارطة طريق واضحة لإصلاح الإدارة المغربية، وتعزيز الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقريب الإدارة من المواطن، باعتبار أن الإدارة وجدت لخدمة المواطن، وليس العكس.
ففي ذلك الخطاب، وجه جلالة الملك رسائل واضحة إلى مختلف المسؤولين، داعياً إلى القطع مع كل مظاهر البيروقراطية، والتهاون، والتقصير في خدمة المواطنين، ومؤكداً أن الإدارة مطالبة بالإنصات لانشغالات المرتفقين، وتبسيط المساطر، وتسريع معالجة الملفات، واعتماد الكفاءة والنجاعة والشفافية في أداء المرفق العمومي.
كما شدد جلالته على أن المسؤولية تكليف وليست تشريفاً، وأن كل مسؤول، كيفما كانت رتبته أو موقعه، مطالب بأداء واجبه بكل مسؤولية ونزاهة، مع الحرص على جعل الإدارة أداة لتحقيق التنمية وخدمة الصالح العام.
وبعد مرور سنوات على هذا الخطاب المرجعي، ما زالت مجموعة من الملفات تطرح تساؤلات حول مدى تنزيل هذه التوجيهات على أرض الواقع، خاصة في بعض المناطق التي تعرف إشكالات مرتبطة بالتعمير، والبناء غير اللائق، وتعقيد المساطر الإدارية، وهو ما يجعل العديد من المواطنين يتساءلون عن مدى تحقق الأهداف التي رسمها جلالة الملك.
ومن بين النماذج التي تثير اهتمام الرأي العام المحلي، ما تشهده منطقة سيدي معروف و عين الشق، حيث عرف عدد من الدواوير توسعاً عمرانياً على امتداد سنوات، قبل أن تبدأ عمليات هدم استهدفت بنايات شملتها الإجراءات القانونية. وقد أفرز هذا الواقع أوضاعاً اجتماعية وإدارية معقدة بالنسبة لعدد من الأسر التي أصبحت تتردد بشكل مستمر على الملحقة الإدارية من أجل تتبع ملفاتها والبحث عن حلول لوضعيتها.
ويؤكد عدد من المواطنين أنهم يصطدمون أحياناً أثناء تتبع ملفاتهم بعبارات من قبيل “راك ما طالعش في السيستيم” أو “راك ما محصيش”، وهي عبارات تثير لديهم العديد من التساؤلات حول أسباب عدم إدراج وضعيتهم الإدارية، وكيفية تدبير هذه الملفات منذ سنوات.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً محورياً: إذا كانت التوجيهات الملكية بشأن إصلاح الإدارة وتقريبها من المواطن قد صدرت منذ سنوات، وإذا كانت القوانين المنظمة للتعمير والبناء تحدد اختصاصات واضحة لمختلف المتدخلين، فكيف استمرت بعض الإشكالات إلى أن وصلت إلى هذه المرحلة؟ وكيف يمكن تفادي تكرارها مستقبلاً؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف إصدار أحكام أو تحميل المسؤولية لأي جهة بعينها، وإنما تعكس انشغالاً مشروعاً لدى المواطنين الراغبين في فهم مسار الملفات التي تمس حياتهم اليومية، وفي الحصول على أجوبة واضحة وإجراءات شفافة، بما يعزز الثقة في الإدارة والمؤسسات.
ويؤكد عدد من المتتبعين أن معالجة مثل هذه الملفات تقتضي اعتماد مقاربة شاملة، تقوم على احترام القانون، والتواصل المستمر مع المواطنين، وتسريع دراسة الملفات، مع تعزيز آليات المراقبة الاستباقية لمنع تفاقم الإشكالات مستقبلاً.
كما يرى مهتمون بالشأن المحلي أن الإدارة الحديثة، كما أرادها جلالة الملك، هي إدارة تستبق المشاكل ولا تنتظر تراكمها، وتعمل على مواكبة المواطنين وتوجيههم، بما يضمن احترام القانون وحماية الحقوق في آن واحد.
وتبقى مسؤولية مختلف المتدخلين في مجال التعمير والإدارة مسؤولية مشتركة، كل في حدود اختصاصاته القانونية، وهو ما يجعل التنسيق بين المؤسسات أمراً أساسياً لضمان حسن تدبير الملفات، وتحقيق التوازن بين احترام القانون وصيانة الحقوق.
إن تقريب الإدارة من المواطن لا يقاس فقط بعدد الإدارات أو المرافق العمومية، بل يقاس أيضاً بسرعة معالجة الملفات، ووضوح الإجراءات، وحسن الاستقبال، وجودة التواصل، وتمكين المواطن من المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب.
لقد وضع الخطاب الملكي الصادر في 14 أكتوبر 2016 أسس إدارة عمومية حديثة، قوامها الفعالية والشفافية وخدمة المواطن، وهي أهداف ما زالت تشكل مرجعاً للإصلاح الإداري بالمغرب، وتستلزم مواصلة الجهود من أجل تفعيلها على أرض الواقع.
واليوم، وبعد مرور سنوات على ذلك الخطاب، يبقى الأمل قائماً في أن تواصل مختلف المؤسسات العمومية تطوير أدائها، وتبسيط مساطرها، وتعزيز تواصلها مع المواطنين، وتسريع معالجة الملفات العالقة، بما يجسد التوجيهات الملكية السامية، ويكرس مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وسيادة القانون.
ويبقى المواطن المغربي في صلب كل إصلاح، لأنه الغاية من وجود الإدارة، والشريك الأساسي في تحقيق التنمية، وهو ما يستوجب من جميع المتدخلين مواصلة العمل بروح المسؤولية، والإنصات لانشغالات المواطنين، وتقديم خدمات عمومية تليق بتطلعاتهم، انسجاماً مع الرؤية الملكية الرامية إلى بناء إدارة حديثة، فعالة، ومنفتحة، تجعل خدمة المواطن أولوية دائمة، وتسهم في ترسيخ دولة الحق والقانون وتحقيق التنمية المستدامة.


Comments
0