في الوقت الذي ترفع فيه الدولة شعار تشجيع الكفاءات وإنصاف الشباب حاملي الشواهد العليا، يجد الآلاف منهم أنفسهم مجبرين على طرق أبواب قطاع خاص لا يرحم، عنوانه الأبرز “التعليم الخصوصي”، حيث يتحول الحلم بوظيفة كريمة إلى كابوس من الاستغلال الممنهج بغطاء قانوني هش.ليلى (اسم مستعار)، حاصلة على ماستر في الأدب العربي بميزة حسن جدا، تروي قصتها بمرارة: “تقدمت للعمل بإحدى المدارس الخصوصية المعروفة بوجدة. طُلب مني العمل 26 ساعة في الأسبوع، بمبلغ 2500 درهم، بدون عقد عمل، بدون ضمان اجتماعي، ومع شرط جزائي يمنعني من العمل في أي مؤسسة أخرى. عندما طالبت بعقد، كان الجواب: هناك العشرات ينتظرون مكانك”.فقصة ليلى ليست استثناء، بل هي القاعدة. ففي جولة ميدانية قامت بها جمعيتنا، وقفنا على حقائق صادمة:ان أغلب الأساتذة يتقاضون ما بين 2000 و 3500 درهم شهريا، مقابل عمل يفوق 24 ساعة أسبوعيا، مع مهام إضافية مجانية كالحراسة والدعم والأنشطة. أجر لا يصل حتى للحد الأدنى للأجور إذا احتسبنا الساعات الفعلية.و إما العمل بدون عقد نهائيا، أو بعقد “متدرب” ANAPEC يتم تجديده لسنوات للتهرب من الترسيم والضمان الاجتماعي، أو عقود موسمية تنتهي في يونيو لتجديدها في شتنبر، في تحايل واضح على مدونة الشغل.ثم ممنوع الجلوس في قاعة الأساتذة، ممنوع مناقشة الإدارة، التهديد الدائم بالطرد، واستغلال حاجة الشاب للتجربة المهنية لفرض شروط العمل ان الدولة تركت هذا القطاع يتمدد كالفطر بدون مراقبة حقيقية. فبينما تستخلص هذه المؤسسات واجبات شهرية تتراوح بين 800 و 2500 درهم للتلميذ الواحد، وتبني العمارات والأرباح الخيالية، تبخل على من يصنع جودتها، أي الأستاذ، بأبسط حقوقه.وإنها مفارقة مؤلمة: المدرسة التي تبيع الوهم للأسر بكونها تقدم تعليما نموذجيا، هي نفسها تنتهك أبسط حقوق الشغل، وتشغل شبابا بأجور هزيلة لا تسمح حتى بكراء غرفة.لذا فالمسؤولية مشتركة. أولا، وزارة التربية الوطنية التي تمنح التراخيص دون إلزام هذه المدارس بدفتر تحملات اجتماعي واضح يضمن الأجر المحترم والضمان الاجتماعي. ثانيا، مفتشية الشغل التي تغض الطرف أو تكتفي بزيارات شكلية. ثالثا، صمت حاملي الشواهد أنفسهم خوفا من فقدان “نصف فرصة” في سوق شغل مغلق.اليوم، وأمام هذا الوضع، لم يعد الأمر مجرد “سوق شغل حر”، بل أصبح استغلالا مقننا لجيوش العاطلين. فكيف نطلب من أستاذ يعيش الهشاشة والقلق أن يربي أجيالا على القيم والثقة؟لذا وجب تفعيل مايلي:1. إلزام التعليم الخصوصي بعقود عمل قارة بأجور لا تقل عن 5000 درهم كبداية لحامل الإجازة.2. تفعيل المراقبة الحقيقية من طرف مديريات التعليم ومفتشية الشغل.3. خلق منصة وطنية للتبليغ عن الاستغلال تحمي المبلغ.إن كرامة الشاب المغربي حامل الشهادة ليست سلعة في سوق المزايدات. ومن يزرع الهشاشة في المدرسة، يحصد فشلا في الوطن.
استغلال مقنن.. حين تتحول المدارس الخصوصية إلى مقبرة لطموح الشباب حاملي الشواهد


Comments
0