بين الاختطاف والاختفاء: حين تصنع الصحافة الخوف - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

بين الاختطاف والاختفاء: حين تصنع الصحافة الخوف

IMG_20260306_005825

في الاونة الأخيرة أصبح موضوع اختفاء الأطفال أو اختطافهم من القضايا التي تستقطب اهتمام الرأي العام وتثير قلق الأسر. فمجرد انتشار خبر عن طفل مفقود كفيل بإشعال موجة واسعة من التعاطف والخوف في الوقت نفسه، خاصة في ظل سرعة تداول الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي. غير أن طريقة تناول بعض المنابر الإعلامية لهذه الحوادث تسهم أحيانًا في تضخيم حالة القلق الجماعي، لأن التعامل مع الخبر يتم بمنطق الإثارة أكثر من منطق الدقة والتحقق.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ الصحافة المتسولة؛ صحافة تركب على الموجة وتبحث عن المشاهدات والتفاعل من خلال استثمار مآسي الناس وآلامهم. فعند انتشار خبر عن طفل مفقود تتسابق بعض الصفحات والمواقع إلى نشر روايات غير مؤكدة، وتقديم الحادثة مباشرة تحت عنوان “اختطاف”، دون انتظار المعطيات الرسمية أو نتائج البحث. وفي خضم هذا التسرع تضيع الفوارق بين الحالات المختلفة، ويترسخ في أذهان الناس شعور عام بالخطر الدائم.

الواقع يفرض التمييز بين عدة حالات. الاختطاف جريمة واضحة تقوم على أخذ الطفل قسرًا أو بالخداع من طرف شخص آخر. الاختفاء قد يكون نتيجة ضياع الطفل أو ابتعاده عن أسرته دون قصد. الهروب يرتبط أحيانًا بعوامل نفسية أو أسرية تدفع الطفل إلى مغادرة المنزل بإرادته. جمع هذه الحالات تحت عنوان واحد يخلق صورة مشوشة عن الواقع، ويزرع الخوف داخل المجتمع أكثر مما يقدّم فهماً حقيقياً لما يحدث.

وتتضاعف المشكلة حين تتحول المأساة الإنسانية إلى مادة للفرجة الإعلامية. فبعض الصفحات تلاحق عائلات الأطفال، وتعيد نشر صورهم وقصصهم بطريقة تستدر العاطفة، وكأن المعاناة أصبحت وسيلة لجلب المتابعين. في هذه اللحظة تفقد الصحافة وظيفتها الأخلاقية والمعرفية، وتتحول إلى ممارسة تستثمر الألم الإنساني بدل أن تحيطه بالاحترام والمسؤولية.

إن المجتمع يحتاج إلى صحافة واعية تدرك حساسية هذه القضايا، وتتعامل معها بقدر من المهنية والإنسانية. فالكلمة الإعلامية قادرة على تشكيل شعور الناس بالأمان أو الخوف، وقادرة كذلك على بناء الثقة أو نشر القلق. لذلك تظل الدقة، والتحقق من المعطيات، واحترام معاناة الأسر عناصر أساسية لأي إعلام يسعى إلى خدمة المجتمع بدل الركوب على مآسيه.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث