تخليق الحياة السياسية بين الخطاب والممارسة.. هل تنهي الشعارات منطق تبادل الاتهامات داخل البرلمان؟ | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

تخليق الحياة السياسية بين الخطاب والممارسة.. هل تنهي الشعارات منطق تبادل الاتهامات داخل البرلمان؟

2417f5f6-b6c1-45e1-b529-c9443ce5bd15

قراءة في حدود المحاسبة السياسية ورهانات استعادة ثقة المواطنين

تطرح الدعوات إلى تخليق الحياة السياسية، التي ترفعها الحكومة الجديدة، نقاشاً متجدداً بشأن العلاقة بين الخطاب السياسي والممارسة المؤسساتية، ومدى قدرة الفاعلين السياسيين على تجاوز منطق تبادل الاتهامات، والانتقال إلى تقييم السياسات العمومية على أساس النتائج والالتزامات المعلنة.

ففي الوقت الذي يجري فيه التأكيد على ضرورة فتح صفحة جديدة، قوامها تنفيذ المشاريع وتعزيز العمل المؤسساتي، تظل أسئلة المحاسبة وتقييم حصيلة البرامج السابقة حاضرة في النقاش العمومي، خاصة في ظل استمرار السجالات السياسية تحت قبة البرلمان.

ولا يعني تخليق الحياة السياسية تجاوز الخلافات أو إغلاق ملفات الماضي دون تقييم، بل يقتضي إرساء ثقافة سياسية تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام المؤسسات، وتقديم المعطيات الموثوقة بشأن تدبير الشأن العام، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتجاذبات الحزبية.

ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل حول كيفية الانتقال من البرامج السابقة إلى مشاريع جديدة، دون الوقوف عند حصيلة المبادرات التي لم تحقق أهدافها المعلنة، سواء تعلق الأمر ببرامج السكن ومحاربة السكن غير اللائق، أو بإصلاح منظومة التعليم، أو غيرهما من الأوراش الاجتماعية والتنموية.

فالمطلوب ليس توجيه اتهامات عامة إلى الحكومات السابقة، ولا إعفاء المسؤولين من واجب التقييم، وإنما تحديد مكامن التعثر، وتوضيح أسبابه، وترتيب المسؤوليات وفق المساطر القانونية والمؤسساتية، بما يضمن استخلاص الدروس وتفادي تكرار الاختلالات.

وفي السياق ذاته، تبرز أهمية أن يتجاوز النقاش البرلماني منطق المواقف السجالية والرسائل الموجهة للاستهلاك الإعلامي، نحو مناقشة أكثر تفصيلاً للسياسات العمومية، تستند إلى الأرقام والمؤشرات، والآجال الزمنية، والاعتمادات المالية، ومدى احترام الالتزامات المعلنة.

ففي قطاعات حيوية، من قبيل الصحة والحماية الاجتماعية، لا يكفي الإعلان عن توسيع التغطية أو إطلاق برامج جديدة، بل تظل جودة الخدمات، والولوج العادل إليها، وتقليص الفوارق المجالية، من أبرز المعايير التي يمكن من خلالها تقييم أثر السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين، خاصة بالمناطق البعيدة عن المراكز الحضرية.

كما أن مواجهة غلاء الأسعار وتحسين القدرة الشرائية تستدعي نقاشاً مؤسساتياً قائماً على مقترحات عملية، وتدابير قابلة للتنفيذ، وتقييم موضوعي لنجاعتها، بدل الاكتفاء بتبادل الانتقادات بشأن المسؤولية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

ولا ينفصل هذا النقاش عن مسألة الديمقراطية الداخلية للأحزاب السياسية، ومعايير اختيار المرشحين وتدبير التزكيات، وتعزيز تكافؤ الفرص والكفاءة والاستحقاق، باعتبارها عناصر مؤثرة في تجديد النخب وتحسين جودة التمثيلية السياسية.

غير أن تقييم هذه القضايا يظل رهيناً بالوقائع والمعطيات المتاحة، بعيداً عن التعميم أو إطلاق أحكام مسبقة بشأن الأشخاص والمؤسسات، بما يحفظ للنقاش السياسي طابعه المسؤول.

إن تخليق الحياة السياسية لا يُقاس بجمالية الشعارات، بل بمدى انعكاسها على الممارسة اليومية. فالمواطن في حاجة إلى مسؤول يوضح أسباب تعثر مشروع، ويعلن التدابير التصحيحية، ويقبل التقييم والمساءلة، كما يحتاج إلى معارضة تمارس دورها الرقابي بجدية، وتدعم المبادرات التي تخدم الصالح العام متى استوفت شروطها الموضوعية.

وفي المحصلة، تظل الثقة في المؤسسات رهينة بقدرة مختلف الفاعلين على تحويل خطاب التخليق إلى التزام عملي، قوامه الشفافية، والنزاهة، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تصبح المشاريع العمومية وسيلة لتحسين ظروف عيش المواطنين، لا مجرد موضوع جديد للتنافس السياسي.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث