في زمن تتسابق فيه الأمم لإغلاق صفحات الاستعمار وتسوية النزاعات المرتبطة بالماضي، ما تزال على مقربة من السواحل المغربية جزر ومواقع صغيرة تخضع للسيطرة الإسبانية، لتبقى شاهدة على ملف تاريخي وسياسي لم يُحسم بعد، ويثير بين الفينة والأخرى نقاشًا واسعًا حول السيادة والوحدة الترابية للمملكة.
وعلى الرغم من أن مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين تستأثران عادة بالاهتمام الإعلامي والسياسي، فإن هناك جزرًا وصخورًا مغربية أخرى لا تقل أهمية من حيث رمزية المكان ودلالاته التاريخية، ما تزال تحت الإدارة الإسبانية، وهو ما يعتبره العديد من المتابعين امتدادًا لإرث استعماري يعود إلى قرون مضت.
وتشمل هذه المواقع:
جزيرة ليلى (بيريخيل)، الواقعة قبالة سواحل الفنيدق على بعد أمتار قليلة من التراب المغربي.
الجزر الجعفرية (جزر شافاريناس)، المقابلة لسواحل إقليم الناظور وتتكون من ثلاث جزر رئيسية.
جزر الحسيمة الواقعة قبالة الساحل الريفي المغربي.
صخرة باديس التي لا تفصلها عن الساحل المغربي سوى مسافة قصيرة جدًا.
ورغم صغر مساحة هذه الجزر، فإن أهميتها تتجاوز الجانب الجغرافي لتلامس أبعادًا سياسية واستراتيجية ورمزية عميقة، خصوصًا أنها توجد داخل المجال البحري والطبيعي للمغرب وعلى مقربة مباشرة من مدنه وسواحله الشمالية.
المتأمل في خريطة المنطقة جغرافيا يلاحظ أن هذه الجزر أقرب إلى المغرب من أي نقطة أخرى، بل إن بعضها يكاد يلامس الساحل المغربي. وبينما تفصلها أمتار أو بضعة كيلومترات فقط عن الأراضي المغربية، تبعد مئات الكيلومترات عن شبه الجزيرة الإيبيرية، وهو معطى جغرافي ظل حاضرًا في مختلف النقاشات المرتبطة بهذا الملف.
ومنذ حصول المغرب على استقلاله، ظل موضوع استكمال الوحدة الترابية حاضرًا في الوعي الوطني، باعتبار أن استرجاع الأراضي والجزر المرتبطة تاريخيًا وجغرافيًا بالمملكة يندرج ضمن مسار تصفية آثار المرحلة الاستعمارية.
إن استمرار السيطرة الإسبانية على هذه المواقع يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول مدى انسجام الخطاب الدولي الداعي إلى احترام سيادة الدول مع الواقع القائم في بعض المناطق التي ما تزال تحمل بصمات الماضي الاستعماري.
فإذا كانت الشعوب قد نجحت في استرجاع أراضيها عبر الحوار والدبلوماسية والاحتكام إلى الشرعية الدولية، فإن ملف الجزر المغربية يبقى من القضايا التي لم تنل بعد ما يكفي من النقاش والاهتمام على المستوى الدولي، رغم ارتباطها المباشر بمبادئ السيادة ووحدة الأراضي.
جزر صغيرة لكن رمزيتها كبيرة، قد تبدو هذه الجزر مجرد نقاط متناثرة فوق مياه البحر الأبيض المتوسط، لكنها بالنسبة للمغاربة تحمل قيمة معنوية وتاريخية تتجاوز حجمها الجغرافي. فالأوطان لا تُقاس بمساحتها فقط، بل بما تمثله من ذاكرة وانتماء وسيادة.
إن جزيرة ليلى، والجزر الجعفرية، وجزر الحسيمة، وصخرة باديس ليست مجرد أسماء على الخرائط، بل عناوين لملف ما يزال مفتوحًا في الوجدان الوطني المغربي، ويستحضر باستمرار سؤال استكمال الوحدة الترابية في بعدها الشامل.
أما لمستي الأخيرة لهذا المقال هي أن هناك قضايا قد يغطيها غبار الزمن، لكنها لا تسقط من ذاكرة الشعوب. والجزر المغربية الخاضعة للسيطرة الإسبانية واحدة من تلك الملفات التي تظل حاضرة كلما فُتح نقاش السيادة والحدود والإرث الاستعماري.
قد تكون هذه الجزر صغيرة في مساحتها، لكنها كبيرة في رمزيتها، لأنها تذكر بأن التاريخ لم يغلق جميع صفحاته بعد، وأن الجغرافيا ما تزال تروي حكاية أراضٍ تقف على مرمى حجر من الوطن، تنتظر أن يكتب المستقبل فصوله القادمة بحكمة السياسة وقوة الحق ومنطق التاريخ.
جزر ليلى والجعفرية وباديس: حين يظل الاستعمار عالقًا في خرائط القرن الحادي والعشرين


Comments
0