في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها الشرق الأوسط، تتصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مشهد تتداخل فيه الحسابات الأمنية بالرهانات السياسية والاستراتيجية. وبين روايات الردع والدفاع عن السيادة، تتشكل صورة معقدة لحرب تتجاوز حدود الميدان العسكري إلى أبعاد أوسع إقليمياً ودولياً.
يمكن استخلاص جملة من العِبر من هذا التصعيد، تعكس طبيعة التحولات الجارية في موازين القوى الإقليمية، وتسلّط الضوء على تعقيدات التفاعل بين منطق الردع والحسابات السياسية:

الجبهة الداخلية عنصر حاسم في زمن الحروب
أظهرت هذه المواجهة أن التماسك الداخلي لأي دولة يمثل عاملاً مركزياً في قدرتها على الصمود. ففي أوقات الحرب، تتضاعف التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ويصبح الاستقرار الداخلي مسألة استراتيجية بامتياز.
تشير بعض التحليلات إلى أن الضغوط السياسية والاحتجاجات الداخلية قد تتحول إلى عنصر تأثير في مسار الصراع، سواء عبر استغلالها إعلامياً أو توظيفها في إطار الحرب النفسية. وفي المقابل، تؤكد طهران أن أي تحركات داخلية تُفسَّر في سياق “الضغط الخارجي”.
من جهتها، تشدد واشنطن وتل أبيب على أن عملياتهما لا تستهدف الشعب الإيراني أو مكوناته الاجتماعية، بل تندرج – وفق روايتهما الرسمية – ضمن استراتيجية لاحتواء ما تعتبرانه تهديداً مباشراً لأمنهما القومي. وتؤكدان أن الهدف هو الردع وإعادة رسم قواعد الاشتباك، لا تفكيك الدولة من الداخل.

بين الدبلوماسية ومنطق القوة
اندلاع المواجهة في ظل حديث سابق عن مسارات تفاوضية يعكس هشاشة التوازن بين العمل الدبلوماسي والخيار العسكري. فبينما ترى أطراف أن المفاوضات كانت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق اختراق، يعتبر آخرون أن المسار التفاوضي استُنفد دون نتائج حاسمة.
في واشنطن، يَعتبر مسؤولون أن اللجوء إلى القوة جاء بعد سنوات من الحوار غير المثمر، وأن الضربات العسكرية تمثل وسيلة لمنع سباق تسلح نووي في المنطقة. أما في طهران، فيُنظر إلى الهجوم باعتباره دليلاً على أن الضمانات السياسية لا تكفي في عالم تحكمه موازين القوة.
الدرس هنا لا يتعلق بتغليب خيار على آخر، بل بإدراك أن السلام في البيئات المتوترة يحتاج إلى توازن دقيق بين الردع والالتزام السياسي.

تحولات في مفهوم التفوق العسكري
المواجهة الحالية تعكس تحولاً في طبيعة الحروب الحديثة. لم يعد التفوق يُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل بمدى دقتها، وفعاليتها، وقدرتها على تعطيل أنظمة الخصم.
تؤكد تقارير غربية أن التفوق الجوي والتكنولوجي الأمريكي الإسرائيلي لا يزال عاملاً حاسماً، خاصة في ظل أنظمة دفاع متعددة الطبقات. غير أن خبراء آخرين يشيرون إلى أن الحروب لم تعد تُحسم بسرعة، وأن امتلاك القدرة على الاستنزاف والصمود قد يغير قواعد اللعبة.
كما برزت الحرب الإلكترونية كجبهة موازية، حيث تتحدث تقارير عن محاولات للتشويش وتحريف الإشارات وتعطيل أنظمة الملاحة، في مؤشر على أن التكنولوجيا أصبحت سلاحاً مضاداً للتكنولوجيا نفسها.

إشكالية “النصر” في الحروب المعاصرة
في كل مواجهة عسكرية، يسعى كل طرف إلى تثبيت رواية انتصاره. غير أن التجارب الحديثة تُظهر أن إعلان النصر لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى.
تعتبر واشنطن وتل أبيب أن تقويض القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية يمثل مكسباً أمنياً مهماً، حتى وإن لم يؤدِّ إلى تغيير جذري في المعادلة السياسية. في المقابل، ترى طهران أن صمودها واستمرار قدرتها على الرد يمثلان بحد ذاتهما مؤشراً على فشل خصومها في تحقيق أهدافهم الكاملة.
النتيجة أن مفهوم “النصر” أصبح نسبياً، ويتحدد بمدى قدرة كل طرف على فرض روايته داخلياً وخارجياً.
الاعتماد على الذات في بيئة إقليمية مضطربة
تكشف هذه الحرب أن الدول، في لحظات الأزمات الكبرى، تميل إلى التعويل أولاً على قدراتها الذاتية. فقد أظهرت طهران استعداداً مسبقاً للرد، عبر إطلاق صواريخ استهدفت مواقع عسكرية في عدة دول، في خطوة فسرتها باعتبارها رداً دفاعياً.
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على تحالفات عسكرية واسعة وقدرات تكنولوجية متقدمة لتعزيز تفوقهما وردع أي تصعيد إضافي.
غير أن الاعتماد على الذات لا يلغي حقيقة أن كلفة الحرب، اقتصادياً وأمنياً، قد تكون باهظة على جميع الأطراف، خاصة في ظل تشابك المصالح الإقليمية والعقوبات والضغوط الدولية.
و في الختام تعتبر الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل صراع متعدد الأبعاد تتقاطع فيه الحسابات الأمنية مع رهانات النفوذ الإقليمي.
وبين منطق الردع ومنطق الدفاع عن السيادة، يبقى المؤكد أن أي تصعيد إضافي ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الدول المعنية لتطال استقرار المنطقة بأسرها. وفي زمن التحولات الكبرى، تظل القراءة المتأنية للأحداث ضرورة لفهم ما يجري بعيداً عن الاصطفاف، وقريباً من التحليل المتوازن الذي يضع الوقائع في سياقها الكامل.


Comments
0