من المفترض أن يكون المستشفى الجامعي هو قلعة الطب وملاذ المرضى، مكاناً تُصان فيه الكرامة ويُحفظ فيه الحق في العلاج. لكن الواقع الذي تعيشه ساكنة جهة الشرق، وخصوصاً داخل المستشفى الجامعي محمد السادس بوجدة، يرسم صورة مغايرة تماماً.حين تظهر شكايات متكررة من طول الانتظار، نقص في التجهيزات، سوء المعاملة، وأخطاء طبية يدفع ثمنها المريض من صحته أو حتى من حياته. فأين يكمن الخلل؟ وهل نحن أمام إهمال فردي أم أزمة بنيوية؟ان المستشفى الجامعي بوجدة يستقبل مرضى من كامل جهة الشرق، أي أكثر من 2.5 مليون نسمة، بالإضافة إلى حالات من المناطق المجاورة. هذه الطاقة الاستيعابية الضخمة تقابلها بنية تحتية وتجهيزات لا تواكب حجم الطلب.والنتيجةاكيد : ممرات مكتظة بالمرضى، أسرة لا تكفي، ومواعيد للفحص أو العملية الجراحية قد تمتد لأشهر. مريض يأتي وهو يحمل أمل الشفاء، فيخرج وهو يحمل يأساً إضافياً وإرهاقاً نفسياً ومادياً.والاكتظاظ لا يؤثر فقط على المريض، بل يرهق الطاقم الطبي والتمريضي أيضاً. طبيب واحد قد يضطر لفحص أكثر من 60 مريضاً في اليوم، وهو ما يقلل من جودة التشخيص ويزيد من احتمال الخطأ.ان كثيرا من المرضى لا يشتكون فقط من غياب الدواء أو طول الموعد، بل من طريقة التعامل و العبارات القاسية، تجاهل لأسئلة المريض، وأحياناً معاملة تمييزية بين هذا وذاك.هذا السلوك لا يمكن تبريره بضغط العمل. فالعلاقة بين الطبيب والمريض ليست علاقة إدارية جافة، بل هي علاقة ثقة وإنسانية. وحين تنكسر هذه الثقة، يفقد المريض إيمانه بالمنظومة كلها، حتى لو كان العلاج متوفراً. فالحديث عن نقص أجهزة السكانير والرنين المغناطيسي، أو تعطلها لشهور، أصبح حديثاً يومياً بوجدة. مريض يطلب منه الطبيب إجراء فحص مستعجل، فيُصدم بأنه غير متوفر أو معطل، فيضطر إلى التوجه للمصحات الخاصة بأثمنة تفوق قدرته.ومن هنا يطرح السؤال: هل المشكل هو نقص الميزانية فعلاً، أم سوء في التدبير والتخطيط وصيانة التجهيزات؟ فالمستشفى الجامعي يتوفر على ميزانية مهمة باعتباره مؤسسة عمومية، لكن آليات صرفها ومراقبتها تبقى غامضة بالنسبة للمواطن.ومن غير المنصف تحميل الطبيب أو الممرض وحده مسؤولية الإهمال. فالمنظومة الصحية ككل تعاني من أعطاب هيكلية: نقص في الموارد البشرية، غياب التحفيز، وضعف التكوين المستمر، وغياب آليات صارمة للمحاسبة.لكن في المقابل، لا يمكن تبرئة الذمة الفردية. هناك حالات إهمال سببها الاستهتار أو اللامبالاة، وهذه تحتاج إلى محاسبة حقيقية لا إلى تغطية مؤسية.ان المواطن البسيط هو من يدفع الثمن. لا يملك ثقافة قانونية تمكنه من المطالبة بحقه، ولا يملك المال للجوء إلى القطاع الخاص. فيضطر للصمت أو للرضوخ للأمر الواقع.وهذا الصمت هو ما يجعل الظاهرة تستمر وتتفاقم. فغياب ثقافة التبليغ وغياب جمعيات حماية المرضى الفاعلة يجعل المستشفى يشتغل بعيداً عن أي رقابة مجتمعية.ختاما لا يسعنا الا ان نقول المستشفى الجامعي بوجدة ليس مجرد مبنى وأطباء وأجهزة. هو مؤسسة لها رسالة إنسانية قبل أن تكون إدارية. وإذا غابت هذه الروح الإنسانية، تحول إلى مجرد مرفق إداري بارد.والخروج من هذه الأزمة يتطلب: رقابة صارمة وشفافة على تدبير المستشفى وعلى جودة الخدمات. تأهيل الموارد البشرية ليس تقنياً فقط، بل أخلاقياً وتواصلياً. إشراك المجتمع المدني في التتبع والرصد وتقييم الخدمات.- تفعيل خط أخضر حقي لشكايات المرضى مع ضمان حماية المشتكي من أي انتقام. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل سننتظر كارثة طبية جديدة حتى نتحرك، أم أن صرخات المرضى اليوم كافية لإيقاظ الضمير المؤسساتي؟
فالصحة ليست رفاهية ولا امتيازاً. هي حق دستوري. وحين ينهار هذا الحق داخل أكبر مستشفى جامعي بالجهة، فهذا إنذار بأن المنظومة الصحية ككل في حاجة إلى إنعاش عاجل.


Comments
0