سيدي موسى لمهاية.. مشاريع تفوق مليارا ونصف مليار سنتيم تطرح أسئلة التنمية والحكامة والأولويات | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

سيدي موسى لمهاية.. مشاريع تفوق مليارا ونصف مليار سنتيم تطرح أسئلة التنمية والحكامة والأولويات

مع الحدث ma3alhadet

في الوقت الذي تستعد فيه الساحة السياسية المغربية للاستحقاقات الانتخابية، يثير إعلان المجلس الجماعي لسيدي موسى لمهاية، بإقليم وجدة، عن المصادقة على مشاريع تفوق قيمتها ملياراً ونصف مليار سنتيم، خلال دورة استثنائية عُقدت نهاية شهر غشت الماضي، جملة من التساؤلات حول طبيعة هذه المشاريع وتوقيتها وأولوياتها، بعيداً عن لغة الإشادة الجاهزة التي غالباً ما ترافق الإعلان عن المشاريع العمومية.

وصادق المجلس الجماعي، بالأغلبية، على مجموعة من المشاريع التي تهم بناء الطرق القروية وفك العزلة، وتهيئة وتجهيز المقابر، وإصلاح دار الجماعة، وتوسعة شبكة الماء والكهرباء، وتهيئة منشأتين فنيتين، واستكمال تهيئة مدخل الجماعة، إضافة إلى بناء منشآت مائية.

ومن حيث المبدأ، لا يمكن إلا الترحيب بأي استثمار يستهدف تحسين ظروف عيش المواطنين، خصوصاً في جماعة قروية تحتاج إلى البنيات الأساسية والخدمات الضرورية. غير أن الترحيب بالمشاريع لا يعني إعفاء أصحاب القرار من الأسئلة، بل على العكس، فكلما ارتفعت قيمة الاعتمادات، ارتفعت معها مسؤولية التوضيح والتدقيق والمساءلة.

كيف جرى تحديد الأولويات؟

السؤال الأول الذي يفرض نفسه هو: كيف جرى تحديد أولويات هذه المشاريع؟

هل أُعدّ تشخيص دقيق للحاجيات الفعلية لمختلف الدواوير والمناطق التابعة للجماعة؟ وهل مُنحت الأولوية للطرق التي تعاني فعلاً من العزلة، وللمناطق التي تحتاج إلى الماء والكهرباء، أم أن جزءاً من الاختيارات يرتبط باعتبارات أخرى؟

فالمواطن القروي لا يحتاج إلى مشاريع تحمل عناوين كبيرة بقدر ما يحتاج إلى طريق سالك، وماء متوفر، وكهرباء مستقرة، ومنشآت مائية تؤدي وظيفتها، وخدمات جماعية في مستوى انتظاراته.

ثم هناك سؤال أكثر حساسية يتعلق بتوقيت الإعلان والمصادقة على هذه المشاريع. فحين تأتي اعتمادات مهمة ومشاريع متعددة في فترة تسبق الاستحقاقات الانتخابية، يصبح من الطبيعي أن يتساءل الرأي العام: هل نحن أمام رؤية تنموية مبرمجة وفق حاجيات الجماعة، أم أمام محاولة لتقديم حصيلة سياسية في توقيت انتخابي حساس؟

طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في المشاريع أو في قانونيتها، وإنما يعني أن المال العمومي يجب أن يبقى بمنأى عن أي توظيف انتخابي، وأن من حق المواطن أن يميز بين العمل المؤسساتي المستمر وبين المشاريع التي قد تتحول، بحكم توقيتها، إلى مادة للدعاية السياسية.

المصادقة ليست نهاية المطاف

والأهم من ذلك أن المصادقة على المشروع ليست إنجازاً في حد ذاتها؛ فالإنجاز الحقيقي يبدأ عندما تنطلق الأشغال، وتحترم الآجال، وتُنجز وفق المواصفات التقنية، وتستفيد منها الساكنة فعلياً.

وهنا تبرز أسئلة أخرى لا تقل أهمية: ما الكلفة الدقيقة لكل مشروع؟ وما مصادر التمويل؟ هل يتعلق الأمر بميزانية الجماعة وحدها أم بشراكات مع مؤسسات أخرى؟ وما الشركات أو المقاولات التي ستتولى التنفيذ؟ وما آجال الإنجاز؟ ومن سيتولى مراقبة جودة الأشغال؟ وهل ستُنشر المعطيات المتعلقة بهذه المشاريع بشكل واضح أمام المواطنين؟

فالحديث عن مليار ونصف مليار سنتيم يجب ألا يبقى مجرد رقم سياسي جذاب. والمطلوب هو تفكيك هذا الرقم إلى مشاريع واعتمادات وآجال ونتائج، حتى يستطيع المواطن معرفة أين ستذهب أموال الجماعة، وما الذي سيحصل عليه مقابلها.

فك العزلة والعدالة المجالية

وفي ملف الطرق القروية تحديداً، سيكون من المشروع مطالبة المجلس بتقديم خريطة واضحة للمسالك المستهدفة، لأن فك العزلة لا ينبغي أن يتحول إلى شعار موسمي. فقد تكون بعض الدواوير في أمسّ الحاجة إلى طريق أو مسلك، بينما قد تستفيد مناطق أخرى من مشاريع أقل استعجالاً. وهنا تظهر أهمية العدالة المجالية داخل الجماعة نفسها.

أما الماء والكهرباء والمنشآت المائية، فهي ليست مشاريع للزينة، ولا ينبغي التعامل معها بمنطق الحصيلة الانتخابية. إنها خدمات أساسية مرتبطة مباشرة بكرامة المواطن، ولذلك ينبغي أن تكون الأولوية فيها للمناطق الأكثر احتياجاً، مع ضمان استمرارية الخدمة، وعدم الاكتفاء بإنجاز البنية التحتية دون التأكد من مردوديتها الفعلية.

حتى تهيئة مدخل الجماعة، رغم ما يمكن أن تضيفه من جمالية وتنظيم للمجال، يجب أن توضع في سياق الأولويات العامة. فالسؤال ليس: هل المدخل مهم أم لا؟ وإنما: هل كانت هناك حاجيات أكثر استعجالاً داخل الدواوير والمناطق التابعة للجماعة؟

مسؤولية الأغلبية والمعارضة

وفي المقابل، فإن المعارضة داخل المجلس، إن وجدت، مطالبة هي الأخرى بالخروج من منطق الرفض لمجرد الرفض، وتقديم بدائل واضحة، ومناقشة المشاريع بالأرقام والوثائق، وممارسة دورها الرقابي بعيداً عن الحسابات الشخصية والسياسية.

أما الأغلبية، فعليها أن تدرك أن امتلاكها للأغلبية التي مكّنت من تمرير المشاريع لا يعني امتلاكها شيكاً على بياض. فالأغلبية تمنح حق اتخاذ القرار، لكنها تفرض في الوقت نفسه مسؤولية تحمّل نتائجه أمام المواطنين.

واليوم، المطلوب من المجلس الجماعي لسيدي موسى لمهاية ليس فقط تقديم لائحة المشاريع، وإنما تقديم حصيلة قابلة للقياس: ماذا سينجز؟ وأين؟ وبكلفة كم؟ وفي أي أجل؟ ومن المستفيد؟ وكيف ستتم مراقبة التنفيذ؟

وإذا كانت هذه المشاريع فعلاً تستجيب لحاجيات الساكنة، فإن أفضل دفاع عنها لن يكون الخطاب السياسي، بل الشفافية والإنجاز وجودة الأشغال. وإذا كانت بعض المشاريع أقل أولوية من غيرها، فإن من حق المواطنين أن يعرفوا لماذا اختيرت، ومن اتخذ القرار بشأنها.

التنمية أم الرصيد الانتخابي؟

لقد تغيرت علاقة المواطن بالمنتخب. فلم يعد الإعلان عن مشروع كافياً لإقناعه، ولم تعد الصور والاجتماعات والبلاغات قادرة وحدها على صناعة الثقة. فالمواطن يريد أن يرى أثر المال العمومي في حياته اليومية.

لذلك، فإن ملياراً ونصف مليار سنتيم في سيدي موسى لمهاية يمكن أن يكون عنواناً لتنمية حقيقية، لكنه يطرح أيضاً سؤالاً سياسياً أكبر: هل تُقاس حصيلة المجالس بعدد المشاريع التي تعلن عنها، أم بعدد المشاريع التي تُنجز فعلاً وتغير حياة المواطنين؟

والفاصل بين الأمرين هو الحكامة، والشفافية، وجودة التنفيذ، والرقابة، ثم المحاسبة.

أما تحويل المشاريع العمومية إلى رصيد انتخابي، فسيكون، إن حدث، إساءة إلى الفكرة الأساسية التي أُنشئت من أجلها الجماعات الترابية: خدمة المواطن وتنمية المجال، لا صناعة الحملات الانتخابية.

وفي نهاية المطاف، ستبقى الساكنة هي الحكم الحقيقي. فإذا تحولت الطرق إلى فك فعلي للعزلة، ووصل الماء والكهرباء إلى من يحتاجهما، وأُنجزت المنشآت بجودة، وتحسنت الخدمات، فسيكون للمجلس ما يقدمه كحصيلة. أما إذا بقيت المشاريع مجرد أرقام في محاضر الدورات، فإن السؤال سيبقى قائماً: أين ذهبت أموال التنمية، وماذا تغير فعلاً في حياة المواطن؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث