اهتزت مدينة بوسكورة على وقع جريمة مأساوية راح ضحيتها طفل لم يتجاوز عمره 15 سنة، في حادثة صدمت الرأي العام المحلي وخلفت حالة من الحزن والذهول في صفوف الساكنة. هذه الفاجعة، التي يُشتبه في أن مرتكبها شخص يعاني من اضطرابات نفسية، أعادت إلى الواجهة نقاشًا حساسًا وعميقًا حول واقع الصحة النفسية، وحدود المسؤولية، ودور المؤسسات المعنية في الوقاية قبل وقوع المآسي
الحادث الأليم لم يكن مجرد واقعة معزولة، بل شكّل ناقوس خطر حقيقي بشأن وضعية عدد من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية ويتجولون وسط الأحياء السكنية دون مواكبة طبية أو اجتماعية كافية. فحسب شهادات متطابقة لعدد من سكان بوسكورة، فإن وجود بعض الحالات النفسية غير المتتبَّعة أصبح مصدر قلق متزايد، في ظل غياب آليات واضحة للتكفل أو المراقبة، ما يخلق حالة من الخوف، خصوصًا بالقرب من المدارس والأحياء السكنية التي تعرف كثافة بشرية
وفي الوقت الذي تُجمع فيه مختلف الفعاليات على ضرورة التعامل الإنساني والمسؤول مع أصحاب الاضطرابات النفسية، يظل السؤال الجوهري المطروح بإلحاح: من يتحمّل مسؤولية تتبّع هذه الحالات وضمان عدم تحوّلها إلى خطر على أصحابها أو على المجتمع؟
هل تقع المسؤولية على عاتق الأسر فقط؟ أم على السلطات المحلية؟ أم على الجماعات الترابية؟ أم على وزارة الصحة والحماية الاجتماعية باعتبارها الجهة الوصية على القطاع؟
واقع الحال يُظهر وجود خصاص كبير في البنيات الصحية المتخصصة في الطب النفسي، إلى جانب قلة الأطر الطبية والتمريضية، وغياب مراكز القرب التي من شأنها ضمان التكفل والمتابعة والعلاج. كما أن ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين يجعل التدخل في كثير من الأحيان متأخرًا، ولا يتم إلا بعد وقوع أحداث مأساوية تهز السلم المجتمعي
من جهتها، عبّرت جمعيات المجتمع المدني بمدينة بوسكورة عن قلقها الشديد إزاء هذا الوضع، مؤكدة أن حماية حقوق أصحاب الاضطرابات النفسية لا تتعارض مع حق الساكنة في الأمن والسلامة، بل إن الأمر يتطلب سياسة عمومية متوازنة، قوامها العلاج، والمواكبة، والإدماج الاجتماعي، بدل الإقصاء أو الإهمال.
إن الجريمة التي هزّت مدينة بوسكورة وراح ضحيتها طفل بريء، ينبغي أن تشكّل نقطة تحوّل حقيقية في التعاطي مع ملف الصحة النفسية على المستوى المحلي والجهوي.
وأمام هذا الوضع، توجه ساكنة بوسكورة، ومعها جمعيات المجتمع المدني، نداءً عاجلًا إلى السلطات المحلية والوزارة الوصية من أجل التدخل الفوري، عبر إحصاء الحالات، وتعزيز المتابعة الطبية والاجتماعية، وإحداث مراكز متخصصة، تفاديًا لتكرار مآسٍ مماثلة تمسّ بالأمن وتخلّف جراحًا عميقة في الوجدان الجماعي.


Comments
0