فعلاً.. رحل المغني ليستريح بعد ثمانية عقود من العطاء الأنيق، صعد فيها بوجداننا إلى سماوات النعم، ليرحل اليوم في صمت مريب يترجم جحودنا وعقوقنا، ورداءة ذوق عام تشرب التفاهة حتى الثمالة. لقد تنكرنا حياً وميتاً لمن كان طبيب جراحنا الوجدانية، يطرد عنا الإحباط ويفتح لنا شرفات الأمل كلما ضاقت بنا الحياة، دون أن يطلب جزاءً على روائع صاغها من حبات قلبه ليعبر ببلدنا نحو الخلود.
هذا الخلود لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج عبقرية موسيقار سابق لعصره ومؤسسة فنية متكاملة نقلت الأغنية المغربية من حيزها الضيق إلى رحابة العالمية. بوعيه الموسيقي المتقدم وتوليفه الذكي بين المقامات الشرقية والروح المغربية الشامخة، قادته خطاه مبكراً سنة 1962 إلى “القاهرة” ليقف نداً لند أمام قامات فنية كبرى؛ حيث انتزع اعترافاً تاريخياً بعبقريته من موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، مؤكداً أنه مدرسة قائمة بذاتها تركت إرثاً عصياً على النسيان تسكننا روائعه كـ “مرسول الحب”، “كان يا ما كان”، “ما أنا إلا بشر”، و”أنا والغربة”.
لكننا اليوم نقف أمام توديع باهت لعميد الأغنية المغربية وبطريقة بئيسة لا تليق بهذه القامة؛ إذ تسابقنا لدفنه في مراسم عزاء توحي بتشييع رجل عادي مر في زحام الحياة، بينما الواقع يصرخ بأننا نودع رمزاً وطعنة صامتة لذاكرتنا الجماعية. فبدل إعلان حداد وطني يليق بمهابته، أصررنا على تطبيق بؤس المثل “مطرب الحي لا يطرب”، ليختصر مشهد الوداع أمام بيته في خيمتين بلديتين كئيبتين تبرعت بهما الجماعة الحضرية، في صورة قاتمة نكافئ بها من وهبنا الفرح والجمال طيلة حياته.
إنها الحقيقة المرة التي تؤكد أن القائمين على الشأن الثقافي قد أخطأوا موعداً حاسماً مع التاريخ وفوتوا فرصة الوفاء. ولعل العزاء الوحيد الذي يواسي روح الفقيد ويطمئن قلوب محبيه، هو أنه نام أخيراً مستريحاً بجوار صديق دربه الراحل “الخياط”. لا بأس.. فالتاريخ ينصف دائماً من ظلمهم عجز معاصريهم، وستأتي أجيال أرقى وعياً لتعيد لذكراه بريقها؛ فعبد الوهاب الدكالي لم يمت، بل ترك بصمته الأبدية في جدار الخلود وصعد ليستريح، فرحم الله الدكالي والخياط، وغفر لنا تقصيرنا.
اللهم بارك
فريد حفيض الدين اللهم بارك (08)جنازة عادية لرجل استثنائي.. هل أخطأ الشأن الثقافي موعده مع التاريخ؟


Comments
0