ليس أخطر على وعي الشعوب من إعلام يتخلى عن رسالته المهنية، ويستبدل الحقيقة بالدعاية، والوثيقة الرسمية بالوثيقة المزورة، والتحقق بالتلقين. فما شهدناه من بعض وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية، ومنصات محسوبة عليها، في قضية الوثيقة المنسوبة زورا إلى محكمة التحكيم الرياضي (CAS)، لا يمكن إلا اعتباره بؤسا لحال البلاد وانحدارا خطيرا في أخلاقيات العمل الإعلامي.
إن نشر وثيقة مزورة، ثم تقديمها للرأي العام على أنها صادرة عن مؤسسة قضائية رياضية دولية، يُعتبر مساسا مباشرا بمصداقية مؤسسة دولية، واستخفافا بعقول المتابعين، ومحاولة لتسويق واقع وهمي يخدم خطابا سياسيا وإعلاميا يقوم على صناعة الانتصارات الوهمية بدل مواجهة الحقائق.
الأخطر من ذلك أن هذه الرواية لم تتوقف عند حدود صفحات مجهولة، بل وجدت طريقها إلى وسائل إعلام يفترض أنها تتقيد بأبسط قواعد التحقق، لتتحول آلة إعلامية كاملة إلى غرفة صدى تكرر الادعاء نفسه دون وثيقة صحيحة، ودون الرجوع إلى الموقع الرسمي لمحكمة التحكيم الرياضي أو انتظار أي إعلان رسمي.
الإعلام الحقيقي لا يزور الوثائق، ولا ينسب إلى المؤسسات الدولية قرارات لم تصدر عنها، ولا يجعل من التضليل خطا تحريريا. وعندما يصبح الكذب منهجا، فإن الضحية الأولى ليست الدولة المستهدفة، بل المواطن الذي يُحرم من حقه في معرفة الحقيقة، ويُدفع إلى تصديق سرديات مصطنعة لا تصمد أمام أبسط وسائل التحقق.
إن احترام المؤسسات الدولية يبدأ باحترام وثائقها وقراراتها. أما اختلاق قرارات ونسبتها إلى محكمة دولية، فهو سلوك يسيء قبل كل شيء إلى الجهة التي تمارسه، ويكشف أن الرهان لم يعد على قوة الحجة، بل على كثافة الدعاية.
وفي زمن أصبح فيه الوصول إلى المصادر الرسمية متاحا للجميع، لم يعد ممكنا إخفاء الحقيقة خلف وثيقة مزيفة أو عنوان مضلل، لأن الوقائع تبقى أقوى من الحملات الإعلامية، والمصداقية لا تُصنع بالدعاية، بل تُبنى بالصدق والتحقق والالتزام بأخلاقيات المهنة.


Comments
0