مع اقتراب عيد الأضحى، تبدأ ملامح الاستعداد لهذه المناسبة الدينية البارزة في الظهور بشكل تدريجي داخل مختلف المدن المغربية، حيث تستعيد الأسواق حيويتها وتعلو وتيرة الحركة التجارية بشكل لافت. فالأزقة تعج بالمارة، والأسواق الأسبوعية تعرف إقبالا متزايدا، في مشهد سنوي يجمع بين الطقوس الدينية والدينامية الاقتصادية التي تنعش عددا من المهن الموسمية.

خلال هذه الفترة، تبرز فئات مهنية عديدة تستفيد من هذا الزخم، على رأسها مربو الماشية وباعة الأضاحي، إلى جانب الجزارين وباعة الأعلاف والحدادين. كما يبرز بشكل لافت الحضور القوي للتجار المتجولين، أو “الفراشة”، الذين يحتلون الأرصفة ويعرضون سلعا مرتبطة بطقوس العيد، من مشاوي وقطبان الشواء، إلى مضخات النفخ والسكاكين بمختلف أنواعها، في استجابة مباشرة لطلب الأسر المغربية التي تستعد ليوم النحر.

ولا تقل الأواني المنزلية أهمية في هذه الحركية، حيث تعرف إقبالا كبيرا، سواء داخل المحلات أو لدى الباعة المتجولين، الذين يتنافسون في عرض مستجدات المطبخ من قدور ومقالي وأدوات حديثة تتجدد تصاميمها بشكل مستمر، ما يعكس تحولا في عادات الاستهلاك ورغبة متزايدة في تسهيل مهام الطهي خلال أيام العيد.
وسط هذه الأجواء التجارية، يبرز جانب إنساني مؤثر، يتمثل في نساء يعرضن ما لديهن من ملابس أو أوانٍ مستعملة في الفضاءات العامة، في محاولة لجمع بعض المال الذي قد يساعدهن على اقتناء أضحية العيد أو المساهمة في مصاريفه. مشهد يختزل في طياته معاني التضامن، لكنه في الآن ذاته يعكس حجم التحديات الاجتماعية التي تواجهها بعض الفئات.
ورغم هذه الحيوية، يبقى الهاجس الأكبر الذي يؤرق المواطنين هو ثمن الأضحية. فهذه السنة، تسود حالة من الترقب والحذر، في ظل تخوفات من ارتفاع الأسعار، مدفوعة بما يروج حول سعي بعض مربي الماشية إلى تعويض خسائر مواسم سابقة. بالمقابل، يشير مهنيون إلى أن الموسم الحالي تميز بتساقطات مطرية مهمة، إلى جانب دعم حكومي موجه لتخفيف كلفة الأعلاف، فضلا عن وفرة نسبية في الكلأ، وهي عوامل من شأنها، منطقيا، أن تساهم في استقرار الأسعار أو حتى انخفاضها.
غير أن تحديد “الثمن الحقيقي” للخروف يبقى مسألة معقدة، إذ تتداخل فيها عدة عناصر، من بينها كلفة الأعلاف، والرعاية الصحية، والماء، والنقل، واليد العاملة. وفي ظل هذه المعطيات، يُقدَّر أن تكلفة تربية خروف واحد لدى الفلاح قد تتراوح ما بين 1200 و1800 درهم في موسم جيد، قبل أن ترتفع في السوق بسبب تدخل الوسطاء وتكاليف التوزيع، لتصل إلى ما بين 2500 و4000 درهم أو أكثر حسب الجودة والوزن.
وبين هذه الأرقام، تتجاذب الواقعَ رؤيتان: الأولى تدافع عن حق الفلاح في تحقيق هامش ربح معقول يضمن استمرارية نشاطه، والثانية تعبّر عن قلق المواطن الذي يواجه ضغوطا متزايدة على قدرته الشرائية. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق توازن عادل يحفظ كرامة الطرفين.
ومع اقتراب موعد العيد، تستمر الأسواق في نبضها اليومي، وتبقى الأسر المغربية معلقة بين الأمل والقلق، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة، على أمل أن تمر هذه المناسبة في أجواء من الفرح والتآزر، كما جرت العادة.


Comments
0