قراءة تحليلية في "ميثاق الشرف" لأحرار خنيفرة: دلالات الحزم التنظيمي وأبعاد "عزلة" خيار التراكم | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |متفرقات

قراءة تحليلية في “ميثاق الشرف” لأحرار خنيفرة: دلالات الحزم التنظيمي وأبعاد “عزلة” خيار التراكم

IMG_20260601_201129

شكلت وثيقة “ميثاق الشرف السلوكي والأخلاقي” الصادرة والموقعة من طرف برلمانيي ورؤساء المجالس الترابية المنتخبة المنتمين لحزب التجمع الوطني للأحرار بإقليم خنيفرة، حدثاً سياسياً وتنظيمياً بارزاً يتجاوز بوقعه النطاق الإقليمي المحيط به ليشكل نموذجاً يُحتذى به على المستوى الوطني. وتأتي هذه المبادرة التنظيمية الشجاعة في سياق تنزيل التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تخليق المشهد السياسي الوطني، وترشيد التدبير الانتدابي، وتدعيم ركائز الحكامة التدبيرية الجيدة داخل المؤسسات الحزبية والمنتخبة على حد سواء.

إلا أن القراءة المتأنية في كواليس هذا الميثاق وفي تفاصيل “وثيقة التوقيعات” تكشف أن الأمر يتعدى مجرد إعلان مبادئ عامة، بل هو “فرز تنظيمي” حاسم وضع الجميع أمام خيارات وجودية داخل الحزب، ورسالة مشفرة وقوية في الآن ذاته، موجهة إلى من يرى في نفسه النزعة نحو الاحتكار الفردي وتراكم المناصب على حساب المردودية والفعالية.

1. الإجماع التدبيري في مواجهة الطموح الاحتكاريبناءً على المداولات والتقاطعات التدبيرية التي سبقت ولادة هذا الميثاق، يتضح أن الدافع الأساسي وراء صياغته وإخراجه للوجود كان مواجهة رغبة مبطنة وعلنية لبعض الأطراف الحزبية في جمع وتراكم عدة مسؤوليات انتدابية في آن واحد. هذا الطموح الاحتكاري جوبه برفض قاطع وإجماع كلي من طرف رؤساء الجماعات الترابية، والمجلس الإقليمي، والبرلمانيين بالإقليم الذين فطنوا لخطورة هذا السلوك على السير العادي للمؤسسات وعلى تماسك الحزب محلياً.لقد صاغ المنتخبون الأحرار هذا الميثاق كقاعدة ثابتة تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها “نكران الذات” وتغليب المصلحة العامة للبلاد والمنطقة على المصالح الذاتية والسياسية الضيقة. ومن هنا جاء البند المحوري والصلب للميثاق الذي كُتب بخط واضح وعريض ليمنع “تراكم المسؤوليات التمثيلية والتنظيمية وتوسيع قاعدة المشاركة من خلال اعتماد مبدأ منتخب واحد لمنصب واحد لضمان التفرغ للمهام”.

2. الفرز الصامت: دلالات امتناع محمد بادو عن التوقيعإن فحص لائحة التوقيعات يكشف عن تفصيل سياسي مثير وعميق الدلالة، ففي الوقت الذي وقع فيه الميثاق بشكل جماعي كل من المنسق الإقليمي ورئيس جماعة سيدي لامين (أحمد دروسي)، رئيس المجلس الإقليمي (حميد البابور)، نائبة البرلمان (سعدية أمحزون)، مستشار البرلمان ورئيس جماعة القباب (مولاي المصطفى العلوي الإسماعيلي)، وباقي رؤساء الجماعات بالإقليم (خنيفرة، مريرت، أجلموس، واومنة، موحي اوحمو الزياني، سيدي احسين، كروشن، ومجموعة الجماعات)، يبرز بوضوح غياب توقيع النائب البرلماني محمد بادو.هذا الامتناع عن التوقيع على وثيقة وزعت على الجميع، لا يمكن القفز عليه واعتباره سلوكا عفوياً، بل وضع الرجل في “زاوية ضيقة” وعزلة تنظيمية خانقة أمام زملائه في الإقليم. هذا السلوك يترجم بشكل ملموس الخلفية التدبيرية والسياسية التي يتحدث عنها الجميع، فالنائب البرلماني، والرئيس السابق لجماعة أگلموس، ربما لم يستسغ كبح طموحه في ممارسة التراكم والجمع بين المناصب، مما جعله يختار عدم الانخراط في هذا التعاقد الأخلاقي والسياسي الجماعي.

3. العواقب التدبيرية والسياسية: تخمين السيناريوهات المقبلةإن هذا الفرز الصامت والموثق بالغياب في خانة التوقيعات، يحمل مؤشرات قوية على تحولات سياسية مرتقبة في الخارطة الانتخابية للإقليم، ويمكن تخمين عواقبها على النحو التالي:

▪️مؤشر الانشقاق والبحث عن بديل: يُعد امتناع محمد بادو عن التوقيع بمثابة إعلان مبدئي عن فك الارتباط الروحي والتنظيمي مع حزب “الحمامة” بخنيفرة. هذا التموقع يمهد الطريق بشكل شبه مؤكد لنشوء حالة انشقاق، حيث بات من المتوقع جداً أن يبدأ الرجل رحلة البحث عن “تزكية” لدى لون سياسي وحزب آخر يتيح له هوامش أوسع للترشح وجمع المناصب دون قيود سلوكية أو أخلاقية كالمفروضة هنا.

▪️خسارة القاعدة الحزبية التقليدية: بصفته رئيساً سابقاً لجماعة أگلموس، فإن خروجه المرتقب أو انشقاقه سيعيد ترتيب الأوراق الانتخابية في هذه الجماعة الحيوية. لكن العزلة التي فرضها على نفسه بعدم التوقيع، وإصراره على معاكسة التوجه الحزبي العام القائم على “منتخب واحد لمنصب واحد”، قد يفقدانه تعاطف القواعد الانتخابية والمناضلين الأحرار الذين باتوا يميلون لتشجيع الكفاءات الشابة والتداول على المسؤوليات عوض احتكارها.

▪️الحزم التنظيمي للحزب: يظهر الميثاق أن قيادة الأحرار بخنيفرة اتخذت قراراً لا رجعة فيه؛ فالرسالة كانت قطعية: “من لا يرى نفسه في هذا الميثاق فليبحث له عن حزب آخر”. وبالتالي، فإن جبهة الحزب ستبقى متماسكة وموحدة خلف مبدأ تكافؤ الفرص والتفرغ للمهام، مما يقلل من تداعيات أي انشقاق فردي قد يحدث.

4. المعادلة الصفرية: الانضباط الحزبي أو الموت السياسي.

بناءً على هذه المعطيات، فالأمر يبدو أنه تجاوز مسألة الاختلاف في وجهات النظر، وبلغ إنتاج معادلة صفرية واضحة المعالم فرضها الإجماع التنظيمي للإقليم. فمع توقيع كافة الرؤساء والبرلمانيين على الميثاق، أصبح النائب محمد بادو معزولاً بشكل تام داخل الخارطة السياسية والحزبية للإقليم.

إن القواعد الجديدة للعبة السياسية داخل حزب “الحمامة” بخنيفرة باتت تضع هذا الأخير على ما يبدو أمام خيارين لا ثالث لهما:

▪️إما الانضباط التام لقرارات المجموعة والحزب: والقبول الفوري بالقاعدة الذهبية التي أقرها الميثاق بالخط العريض: “منتخب واحد.. منصب وحيد”. وهو الخيار الذي يضمن استمرار ومواكبة المسار الجماعي وتغليب المصلحة العليا للإقليم والبلاد.

▪️وإما الموت السياسي الحتمي محلياً: لأن الإصرار على معاكسة هذا الإجماع التنظيمي، والبحث عن تزكية لدى لون سياسي آخر بهدف الحفاظ على “تراكم المناصب”، لن يعني سوى السقوط في مستنقع العزلة التامة. فالقواعد الانتخابية والمناضلين الترابيين في جماعة أگلموس وخارجها باتوا واعين تمام الوعي برفض منطق “الديناصورات الانتخابية” التي تجمع المناصب وتغيب عن الفعالية والمردودية. والخروج من مظلة حزب يقود الحكومة ويهيمن على أغلبية جماعات الإقليم في ظل هذه العزلة، هو بمثابة انتحار سياسي وإنهاء مبكر لأي طموح مستقبلي.

في الختام، نجح “ميثاق الشرف السلوكي والأخلاقي” لأحرار إقليم خنيفرة في الانتقال بالممارسة الحزبية من التنظير الشفوي إلى الحسم الميداني الصارم. لقد أسست المجموعة لقاعدة ثابتة لا رجعة فيها: “منتخب واحد، منصب واحد لضمان التفرغ للمهام”.وإذا كان غياب توقيع النائب محمد بادو قد وضعه وحيداً في “الزاوية الضيقة”، فإن هذا الفرز يظل ظاهرة صحية تدل على قوة التنظيم الحزبي وقدرته على لمٌ الشمل وتطهير نفسه من النزعات الاحتكارية، مؤكداً أن زمن الركود السياسي والجمع بين الغنائم الانتدابية قد ولى بلا رجعة

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث