« يرحل الأستاذ... ويبقى الأثر: في وداع المؤرخ لطفي بوشنتوف» | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

« يرحل الأستاذ… ويبقى الأثر: في وداع المؤرخ لطفي بوشنتوف»

IMG-20260811-WA0000

“لطفي بوشنتوف في ذمة الله. إنا لله وإنا إليه راجعون”..بهذه الكلمات القليلة أخبرتني الأستاذة لالة خديجة العلمي الطالبي، زوجة أستاذي، أطال الله عمرها، مساء السابع من غشت، برحيله. ثم أتبعتها برسالة أخرى لا تقل وقعًا في نفسي:”رجاء أخبر كل معارفه وأصدقائه من أساتذة وطلبة”..قرأت الرسالة، مرات .. لم أستوعب في اللحظة الأولى أنني صرت، فجأة، أحمل خبر الرحيل .. كيف يمكن لخبر بهذا الثقل أن تحمله كلمات قليلة إلى هذا الحد؟وكيف يمكنني أن أخبر معارفه وأصدقاءه وطلبته برحيله، وأنا نفسي لم أكن قد استطعت بعد أن أصدق أنه رحل؟ظللت أمام الرسالتين عاجزًا عن استيعاب معناهما كاملا. كنت أقرأ اسم لطفي بوشنتوف، ثم عبارة “في ذمة الله”، وكأن العقل يرفض أن يجمع بينهما في جملة واحدة. بعض الأخبار يصل إلى العين قبل أن يصل إلى القلب؛ نقرأه، وندرك معناه، لكن شيئا في داخلنا يظل يقاوم الحقيقة، كأن عدم التصديق قادر على تأجيلها قليلا..تخونني الكلمات منذ تلك اللحظة كلما حاولت أن أكتب عنه. ربما لأن بعض الناس يصعب اختزالهم في كلمات، خصوصا حين لا يكونون مجرد عابرين في حياتنا، بل يصبحون جزءا منها، ومن ذاكرتنا.. عرفت الأستاذ لطفي بوشنتوف سنة 2009، حين كنت طالبا في سلك الماستر.. بجامعة محمد الخامس.. كنت يومها في بداية الطريق، وكان هو الأستاذ الذي سيصبح، مع مرور السنوات، أكثر بكثير من أستاذ ومشرف. منذ تلك السنوات الأولى غمرني بعطائه ورعايته، وأحاطني بما يحتاج إليه الطالب في بداياته من توجيه وتشجيع وثقة. معه بدأت أتعلم أن العلم أولا أخلاق، وصبر، وانضباط، وطريقة في التفكير وفي مساءلة الأشياء.. انطلقت بعدها رحلة الدكتوراه التي امتدت سبع سنوات كاملة؛ سبع سنوات من الصحبة والتعلّم والتكوين الإنساني..لم تكن علاقتنا خلال تلك السنوات محصورة في موعد أكاديمي بين طالب وأستاذه. بل، لقاءات وجلسات وزيارات طويلة امتدت بين الدار البيضاء والرباط والمحمدية وحتى مراكش.. كنا نلتقي حيث تيسّر اللقاء، ونتحدث حيث امتد بنا الحديث، من غير حواجز ولا تكلف.. بدأ أستاذا، ثم لم أشعر إلا وقد أصبح أبا وصديقا ورفيقا في تفاصيل كثيرة من الحياة..فتح لي باب بيته قبل أن يفتح لي أبوابا كثيرة في مساري العلمي، وجعلني، بمحبة صادقة لا تحتاج إلى إعلان، واحدا من أسرته.. في مقام محمد وعمر وعثمان، فقد أحاطني من الرعاية والمودة بما جعلني أشعر أنني واحد منهم.. لم أعد أدخل ذلك البيت بصفة الطالب الذي يزور أستاذه، بل بما يشبه طمأنينة الابن وهو يدخل بيتا يعرف أن له فيه مكانا.. وكانت الأستاذة لالة خديجة، رفيقة دربه، أطال الله عمرها، بما أحاطتني به بدورها من مودة وكرم، جزءًا أصيلا من ذلك الدفء الذي جعل البيت والأسرة امتدادا لعلاقتي بأستاذي..كان الأستاذ لطفي من أولئك الأساتذة الذين لا يحتاجون إلى كثير من المظاهر ليصنعوا الهيبة. علمه كان يكفيه، وأخلاقه كانت تقدمه، وبساطته كانت جزءًا أصيلًا منه..وكلما فكرت فيه اليوم حضرتني صور كثيرة، لكن صورة مكتبه البسيط تستوقفني على نحو خاص.. ذلك المكتب الذي ظل محافظًا عليه منذ أن كان طالبا.. أبقاه كما هو، حتى بدا لي اليوم، وأنا أستعيد صورته، وكأنه كان يشبه صاحبه: بسيطا، هادئا، بعيدا عن الاستعراض، محتفظًا بشيء من البدايات مهما اتسعت التجربة وكبرت المكانة..كان أستاذا عالما متمكنا وباحثا رصينا، لكن ما يبقى في ذاكرتي اليوم، إلى جانب علمه، هو ذلك الإنسان الطيب والأنيق في حضوره ومعاملته. كان ناصحا من غير ادعاء، وموجها من غير استعلاء، وداعما في هدوء. حتى ملاحظاته كان لها أسلوب خاص، يجمع بين الدقة والرفق، ويترك أثره في النفس قبل أن يترك أثره في العمل.كانت آخر جلسة جمعتني به في دجنبر الماضي.. حل علينا وزوجته لالة خديجة ضيفين غاليين، رغم المرض الذي كان قد أنهكه.. لم أكن أعرف أنني أجلس إليه للمرة الأخيرة..لم تطل الجلسة كما السابق. وكان فيه يومها شيء لم أعهده.. الأستاذ لطفي الذي عرفناه بخفة روحه، وبالنكتة التي كانت تتسلل إلى أحاديثه مهما كان موضوعها جادا، بدا أكثر صمتا وهدوءا.. غابت النكتة، أو كادت، وغاب شيء من ذلك المرح المألوف.. أستعيد اليوم تفاصيل تلك الجلسة فأشعر، بألم لم يكن ممكنا أن أفهمه حينها، كأنه كان في حالة تأهب للرحيل.. لم يخطر ببالي وأنا أودعه أن ذلك الوداع سيكون الأخير..واليوم، حين أستعيد سبعة عشر عامًا منذ لقائنا الأول سنة 2009، يصعب عليّ أن أفصل مساري العلمي عن حضوره فيه. ففي كل محطة تقريبًا شيء منه: نصيحة، أو ملاحظة، أو جلسة، أو مكالمة، أو موقف، أو كلمة قالها في وقتها ثم بقي معناها يتكشف مع مرور السنوات..أستاذي العزيز،لم تكن بالنسبة إليّ أستاذا عاديا .. كنت أستاذي حين احتجت إلى العلم، ومشرفي حين احتجت إلى التوجيه، وأبًا حين احتجت إلى السند، وصديقا حين تجاوزت أسئلتي حدود الجامعة والبحث.غمرتني بالعطاء والرعاية من غير حساب، ومنحتني من وقتك وثقتك وبيتك وأسرتك أكثر مما تستطيع شهادة جامعية أن تثبته، وأكثر مما يمكن لسيرة ذاتية أن تسجله..رحلت اليوم، لكن فضلك لم يرحل.. ستظل كلماتك حاضرة، وستظل نصائحك ترافقني، وستبقى جلسات الدار البيضاء والرباط والمحمدية ومراكش جزءًا عزيزًا من ذاكرتي. وسيظل ذلك المكتب البسيط شاهدًا، في مخيلتي، على رجل كبير ظل وفيًا لبساطة البدايات مهما اتسعت تجربته ومكانته..وسيبقى أصعب ما في الرحيل أن أشياء كثيرة ستدفعني، في قادم الأيام، إلى التفكير في الاتصال بك، أو زيارتك، أو سؤالك عن رأيك، قبل أن أتذكر، في لحظة قاسية، أن الهاتف لن يحمل إليّ صوتك مرة أخرى، وأن الجلسة الأخيرة كانت فعلًا آخر الجلسات.لكن عزائي أن الأستاذ الحقيقي لا يغيب كله…يبقى في تلامذته، في الكتب التي دفعهم إلى قراءتها، وفي الأسئلة التي علمهم كيف يطرحونها، وفي الصرامة التي دربهم عليها، وفي القيم التي غرسها فيهم..رحمك الله أستاذي ومشرفي ومعلمي لطفي بوشنتوف.. رحلت، وبقي فضلك.. غاب صوتك، وبقيت كلماتك.. وغاب صاحب المكتب البسيط، وبقي ما تعلمناه حوله.. وأُغلق فصل من العمر برحيلك، لكن أثرك سيظل مفتوحًا فينا ما حيينا..إنا لله وإنا إليه راجعون..

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث