كان من المفترض أن يكون “سهب الخيل” متنفس وجدة الوحيد، رئة خضراء تتنفس فيها العائلات من ضجيج الإسمنت والسيارات. افتُتح بضجة إعلامية ووعود كبيرة، صور قصّ الشريط والابتسامات مازالت في الأرشيف. لكن اليوم، وبعد سنوات قليلة، تحول المنتزه إلى فضاء أشباح: أعشاب يابسة، مقاعد مكسرة، نوافير جافة، وأبواب موصدة. سهب الخيل لم يمت وحده.. ماتت معه ثقة المواطن في المشروع العمومي.

فعند الإعلان عن المشروع، بيع لنا كفضاء بيئي ترفيهي بمواصفات عصرية. حدائق، مسارات للمشي، فضاء للأطفال، ومقاهي. كان الجواب على سؤال وجدة القديم: أين يذهب الوجدي ليلتقط أنفاسه؟
لكن الحلم لم يعمر أكثر من موسمين. سرعان ما بدأت ملامح الإهمال تظهر: إنارة معطلة، نباتات ذابلة، غياب للحراسة والنظافة. واليوم، أصبح المكان ملاذاً للمتسكعين ومطرحاً للنفايات، بدل أن يكون ملاذاً للعائلات. تحولنا من “منتزه” إلى “منطقة محظورة” لا يقصدها إلا من لا خيار له.

ان سهب الخيل ليس مجرد مساحة ترابية. هو حق بيئي واجتماعي سلب من 500 ألف نسمة.
وجدة من أفقر المدن المغربية من حيث المساحات الخضراء. المعدل العالمي يوصي بـ 12 متراً مربعاً من المساحات الخضراء لكل مواطن. في وجدة لا نتجاوز 2 متر مربع. وفي هذا السياق، كان سهب الخيل فرصة تاريخية لإنصاف المدينة. لكننا ضيعناها.
والأدهى أن من يدفع الثمن هم أطفال الأحياء الشعبية الذين لا يملكون ثمن مسبح أو نادي. كانوا يجدون في سهب الخيل ملعبهم ومتنفسهم المجاني. اليوم، الشارع هو بديلهم الوحيد.

والمشكل لا يكمن في فكرة المنتزه. بل في منطق “الإنجاز لأجل الإنجاز”.
بحيث تم تشييد المشروع دون التفكير في كلفة الصيانة والتسيير. بنينا ولم نخط لمن سيسقي، لمن سينظف، لمن سيحرس. كأننا نعتقد أن الخرسانة والزرع يعيشان لوحدهما.
كما أن كل مسؤول ينتظر أن يصون المشروع من بعده. المدبر الحالي يقول: “ليس في عهدي”. والمجلس السابق يقول: “سلمناه جاهزاً”. والنتيجة: لا أحد مسؤول والجميع مذنب.
بحيث انه لم يتم حتى إشراك جمعيات المجتمع المدني ولا سكان الأحياء المجاورة في تدبير الفضاء. والمنتزه بقي ملكاً للدولة على الورق، وملكاً لأحد على أرض الواقع.
فالحجة الجاهزة دائماً هي: “لا توجد ميزانية”. لكن الحقيقة أن كلفة إعادة تأهيل سهب الخيل اليوم بعد خرابه ستكون أضعاف كلفة صيانته السنوية.
نحن نبدد المال مرتين: مرة في البناء، ومرة في إعادة البناء. هذا ليس تدبيراً، هذا تبذير للمال العام. وكان الأجدر استثمار تلك المبالغ في مشاريع صغيرة مستدامة مع صيانة دورية.

ان سهب الخيل يجب أن يصبح درساً لا مجرد أطلال. فالمشروع العمومي لا ينتهي بحفل الافتتاح. ينتهي عندما يصبح مرفقاً حياً يخدم المواطن يومياً.
و لا معنى لفضاء عمومي بلا حكامة. يجب إحداث وكالة جهوية أو تفويض للتدبير لجمعية مختصة بشروط دفتر تحملات صارم.
إضافة إلى هذا المواطن شريك لا متفرج. لو تم إشراك سكان وجدة في حراسة المنتزه والاعتناء به، لما وصل إلى ما وصل إليه. الإنسان لا يخرب ما يشعر أنه ملكه.
عموما يفضي بنا القول الى ان سهب الخيل اليوم هو مرآة. مرآة تعكس طريقة تدبيرنا للشأن العام: حماس في البداية، فتور في المنتصف، ونسيان في النهاية.
ووجدة لا تحتاج لمزيد من الإسمنت والواجهات. وجدة تحتاج لمساحات تتنفس فيها الأرواح قبل الأجساد.
إنقاذ سهب الخيل ليس مسألة جمالية فقط. هو مسألة كرامة مدينة، وحق أجيال قادمة في مدينة قابلة للعيش. فهل ننتظر أن يتحول كل فضاء أخضر في المدينة إلى مقبرة أخرى للنسيان، أم نستيقظ قبل فوات الأوان؟


Comments
0