تُعدّ السينما المغربية تجربة حديثة نسبيًا مقارنة بمدارس سينمائية راسخة، ورغم ما راكمته من محاولات جريئة وأسئلة فنية، فإنها لم تُواكَب بتيار نقدي مستمر ومؤطر نظريًا. فما يُنشر في الغالب لا يرقى إلى مستوى النقد السينمائي بمعناه العميق، بل يظل محصورًا في:
انطباعات صحفية سريعة
تعليقات مهرجانية ظرفية
وهو ما يخلق فراغًا نقديًا حقيقيًا، حيث يغيب التحليل الأكاديمي والفلسفي القادر على تفكيك الخطاب السينمائي.
1. الخلط بين النقد والترويج
تعاني الساحة من خلط واضح بين الفعل النقدي والممارسة الترويجية، إذ يتحول بعض من يُقدَّمون كـ«نقاد» إلى فاعلين داخل شبكة من:
المجاملات
العلاقات الشخصية
منطق الدعوات والمهرجانات
فيُستبدل التحليل المستقل بخطاب علاقات عامة، مما يُفرغ النقد من جرأته ويقضي على وظيفته الأساسية: المساءلة.
2. ضعف التكوين النظري والفلسفي
تحليل الفيلم ليس وصفًا للقصة أو تقويمًا للأداء فقط، بل يحتاج إلى أدوات معرفية معقدة مثل:
السيميولوجيا
التحليل السردي
الفلسفة الجمالية
علم النفس والأنثروبولوجيا
غير أن أغلب الممارسات النقدية تقف عند حدود سطحية، تُهمل اللغة السينمائية بوصفها منظومة دلالية، وتكتفي بتكرار أسئلة جاهزة حول “الرسالة” و“الموضوع”.
3. هيمنة المقاربة الأخلاقية والأيديولوجية
غالبًا ما يُحاكم الفيلم المغربي من زوايا أخلاقية أو هوياتية:
هل يُسيء لصورة المغرب؟
هل يحترم التقاليد؟
هل يتجاوز المألوف؟
بدل طرح أسئلة جوهرية مثل:
كيف يفكر الفيلم؟
كيف يبني معناه؟
ما علاقته بالزمن والذات والواقع؟
وهذا ما يُفرغ النقد من بعده الجمالي والفلسفي، ويحوّله إلى محكمة أخلاقية.
4. خوف النقد من السينما نفسها
يُلاحظ نوع من الرهبة من “الاسم” أو من سلطة المخرج، ما يجعل الناقد:
مترددًا في التفكيك
خائفًا من القطيعة
غير مستعد للمواجهة الفكرية الصارمة
في حين أن النقد الحقيقي لا يُهادن، بل يُحاور ويُفكك ويُزعج.
5. غياب المنصات النقدية المستقلة
يعاني النقد السينمائي من غياب:
مجلات نقدية متخصصة
منصات أكاديمية جادة
فضاءات نقاش حر ومستمر
في مقابل هيمنة الخطاب الإخباري والاحتفالي، حيث يُحتفى بالفيلم دون مساءلته.
6. السينما سبقت النقد
المخرج المغربي جرب، وكسر، وتجاوز القوالب، بينما ظل النقد متأخرًا، يكتفي بإجابات جاهزة أمام سينما تطرح أسئلة جديدة. وهنا تتجلى المفارقة: سينما تبحث عن المعنى… ونقد يكتفي بالوصف.
خلاصة فلسفية
المشكل ليس في السينما المغربية، بل في العين التي تنظر إليها.
فالنقد لم يتحول بعد إلى:
فعل تفكير
فعل مساءلة
فعل قلق معرفي
بل بقي، في كثير من الأحيان، وصفًا لا تحليلًا، وحكمًا لا قراءة.
*عزالدين كريران*


Comments
0