الصحافة تُدرَّس من الميدان: طلحة جبريل يقود تجربة تعليمية مبتكرة - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أعمدة الرآي

الصحافة تُدرَّس من الميدان: طلحة جبريل يقود تجربة تعليمية مبتكرة

IMG-20260101-WA0022

في صباحٍ هادئ من صباحات الدار البيضاء، بدا كل شيء عاديًا. كان لنا موعد مختلف مع درس مختلف. أمامنا تجربة تعليمية لا تشبه قاعات المحاضرات ولا أسوار المعاهد. إنها أولى خطواتنا نحو الصحافة من الشارع نفسه؛ حيث ينبض الواقع وتُروى الحكايات.

كل الترتيبات تمت، واجتمع الطلبة. المشرف على الدرس هو رائد الصحافة المكتوبة، الصحفي الكبير الدكتور طلحة جبريل موسى، وهي تجربة استلهمها من مرحلة تدريسه في كندا.

انطلق مسيرنا ونحن على يقينٍ كبير بأنها أول خطوة نخطوها في عالم الصحافة، وأننا رفقة هذا الهرم نقف على أعتاب التاريخ. على مقربة من المعهد الذي ندرس فيه، اختار الدكتور طلحة أن يلقننا أول درس في هذه الرحلة، وكان عنوانه الكرم؛ إذ اشترى من ماله الخاص كمية كبيرة من البرتقال “المندالين” تكفي أضعاف عددنا مرتين. وربما كان الدرس الآخر هو أن تغذية العقل تحتاج إلى تغذية الجسد.

استمرت قافلتنا التعليمية بحيوية ونشاط غير عاديين، وكأن ما يحملنا أقدام غير أقدامنا. كانت متعة المشي جماعة بين شوارع وأزقة الدار البيضاء بطعم آخر ونكهة أخرى. المشاهد كثيرة والحمولة أكثر… مقاهٍ ومحلبات، وباعة المسمن المغربي والفطائر والحلويات، والناس تمشي وكأنها تنتشي فرحًا. أعتقد أن السر في ذلك هو المباراة الخالدة التي قدمها المنتخب المغربي ضد زامبيا.

توقفنا قليلًا عند جمال، أقدم بائع جرائد في الدار البيضاء، رجل بشوش مثقف، اشتعل رأسه ودقنه شيبًا. ما تأسفت له في تلك اللحظة أنه طوال مدة حديثنا معه، سيدة واحدة فقط هي من ابتاعت منه جريدة «الأحداث المغربية». الرجل يعتز بصداقته ومعرفته بالأستاذ طلحة.

على مقربة منه يطل علينا باب مراكش شامخًا، عصيًا على الزمن وعلى النسيان. معلمة تاريخية بارزة تعود إلى فترة المرابطين، حيث كانت البوابة ممرًا رئيسيًا للتجار القادمين من مراكش.

دخلنا مع التاريخ ومن التاريخ. صادفتنا سيدة اسمها لطيفة تبيع عصير الرمان. إلى جانبها شاب قال إن اسمه عزيز، كثير الكلام، قال عنه صديقه إنه يعمل في شركة طيران، ولم أصدق ذلك. حاول استمالتنا وكأنه يروّج لمشروب بائعة العصير. أكد لنا أنه يعرف الأستاذ، حتى إنه قدم له كأس عصير عربون تقدير.

وعلى بعد أمتار قليلة، في الجهة المقابلة، محل لبيع السجائر “صاكا”. أحمد، رجل أسمر البشرة، لبق ومبتسم، يعرف الأستاذ منذ سنوات طويلة، ويعتز بأنه من أهم زبنائه. الأستاذ يشتري منه التبغ والغليون (البايب) المصنوع من الخشب أو الطين أو الكوز، وهو الذي يُصفّي الدخان ويُبرّده.

استمرت خطانا بين المحلات التي تبيع أشياء جميلة، جلّها مستوحى من الموروث الثقافي المغربي ويعكس الهوية المغربية… مصنوعات جلدية وأخرى خزفية ومعدنية، ملابس تقليدية، تذكارات، عطور، سُبَح تقليدية… المنتوجات تفيض من كل مكان في هذا السوق، وسياح منبهرون بهذه المعروضات، وباعة مغاربة يجيدون الحديث بأكثر من لغة.

في مكان يشبه ساحة صغيرة في هذا السوق، يشدّك منظر أعلام الدول المشاركة في كأس الأمم الإفريقية المنظم بالمغرب. مشهد يتكرر في مختلف أنحاء البلاد. لكن نظرة الأستاذ إلى علم بلده السودان أثارتني. أتذكر أنني قرأت أنه رفض ارتداء قميص منتخب بلاده، بحكم استبدال السودان علم عهد الرئيس جعفر نميري سنة 1970 بعلم جديد، وهو العلم الذي شهد جدلًا مؤخرًا.

استأنفنا المسير لنقف عند “نزهة”، وهي سيدة توحي ملامحها بأنها وُلدت من رحم المعاناة والصبر والتحدي. سيدة أمازيغية تصنع منتوجًا مغربيًا أصيلًا هو “أملو”. هي الأخرى اكتشفنا أنها تجيد اللغة الفرنسية، وتبدو مثقفة تعي جيدًا ما يدور حولها في هذا العالم الذي وصفته بالموحش والصعب.

إلى جانبها مجمّع صغير كُتب على بابه: “فضاء الصانع التقليدي”. بناية شبه فارغة من الزوار، تتكون من طابقين. استقبلتنا رائحة الخشب التي تزكم الأنوف، منتوجات طبيعية وصحية، وأخرى خشبية وخزفية، زرابي تقليدية، وفضاء خُصص للأدوات الموسيقية، كان أكثرها عربيًا. المكان يعج بكل ما هو أصيل.

وقفت قليلًا قبل أن ألتحق بالمجموعة في الطابق العلوي. تجاذبت الحديث مع رئيس جمعية للمكفوفين، قال لي إنه يحمل على عاتقه هدفًا كبيرًا، هو توفير طابعة كتب بلغة برايل.

في الطابق العلوي شاب متخصص في بيع منتوجات هي عصارة الطبيعة، تجمع بين العسل الطبيعي والصابون والنيلة والتبريمة والزيوت الطبيعية. تبادلنا الحديث معه، وكانت فرصة مناسبة ليحكي لنا الأستاذ قصة طريفة جمعته مع الراحل الملك الحسن الثاني، جعلتنا نقف على معلومة مفادها أن أغلى نوع من العسل هو عسل السدر.

انتهت زيارتنا لهذا المجمع، وأثناء انصرافنا لنكمل درس الشارع، صادفت شابة أنيقة سألتني بصوت هادئ: ماذا تفعلون هنا؟ أجبتها أننا طلبة، ونحن الآن في حصة تعليمية. لتفاجئني بسؤال آخر أثار فضولي لأتعرف عليها أكثر؛ سألتني عن انتمائي الجغرافي، مجيبة في الآن ذاته أنها من الصحراء المغربية… لأكتشف أنها من أبناء عمومتي!

انتقلنا بعدها إلى فضاء آخر، وهو مركز التعريف بالتراث؛ متحف يجمع بين الماضي الموغل في القدم والحاضر الذي يوثق لتغيرات آنفا. في هذا المتحف تقف وسط التاريخ والذاكرة.

عند دخولنا صادفتنا سيدة بشوشة بابتسامة لطيفة، وما إن قابلت الأستاذ حتى بدا الفخر على محيّاها. تأكدنا حينها أنها تعرفه مسبقًا، وأنه لطالما جاء رفقة طلبته من فاس ومكناس والدار البيضاء إلى هذا الفضاء الذي يعج بالتاريخ والآثار، ويكاد يخلو من الزوار إلا من ثلاثة سياح غادروا المكان دون القيام بالجولة. الجميل أن الدخول إلى هذه المعلمة مجاني.

دخلنا أروقة المتحف من الباب المقابل لسقاية زُخرفت بالفسيفساء المغربية التقليدية، يتوسطها صنبور على شكل رأس أسد، وعلى جانبيه قناتان قديمتان. أثناء دخولنا صادفنا فكّ أسنان قديمًا يعود إلى الإنسان العاقل، كُتب تحته أنه وُجد في موقع سيدي عبد الرحمن. بعدها تصادفك معلومات عن آنفا والبحر والبحارة وشخصيات تاريخية.

يستمر اكتشافنا للمكان في صمت ودهشة… لأقف على صورة لفيلم أسطوري اسمه “كازابلانكا”، وحسب ما ترويه الكتابة المرفقة، فقد أحرز نجاحًا كبيرًا في السينما العالمية، وكان سببًا في تحقيق الإشعاع للدار البيضاء والمدينة القديمة سنة 1942، وقد صُوّر هذا الفيلم في الولايات المتحدة الأمريكية.

وأنا أرفع رأسي قليلًا، وجدت شعار نادي الوداد البيضاوي. علمت بعدها من زميلي محمد سعد أن هذا الحي الذي يوجد فيه المتحف هو أحد معاقل مشجعي هذا النادي العريق.

إلى جانبها صورة تؤرخ لزيارة زعيم الأمة الملك محمد الخامس للمدينة القديمة، وهو يمتطي حصانًا ويحفه رعاياه الأوفياء بالمنطقة. وفي المقابل شاشة إلكترونية تختزل الكثير من قيم المغرب وشعبه؛ صور تتناوب بشكل تلقائي تجسد مثلث التسامح: المسجد، والمعبد اليهودي، والكنيسة المسيحية… صور تبعث على الفخر والاعتزاز بهذا الوطن.

وفي الجانب المقابل على اليمين: ملابس يهودية كالطالِيت، وهو غطاء يُستعمل عند الصلاة، أبيض وبه خطوط زرقاء، وشمعدان سباعي يسمى عند اليهود “المينوراه”، يرمز لليهودية ككل، وحقيبة جلدية للصلاة تسمى “التيفيلين”، إلى جانب قطع أخرى، منها ملابس نسائية يهودية ووثائق شبيهة بالبرديات القديمة.

خطوات قليلة جعلتني أقف على أن المدينة استقطبت العديد من الأجانب، وأنها تعرضت للتدمير من طرف البرتغاليين في القرن الخامس عشر، وأن اسم “آنفا”، التي هي اليوم مجرد جزء صغير من مدينة الدار البيضاء، هو الاسم الحقيقي الذي يُرجَّح أنه يعبر عن الأنف أو المكان المرتفع. كما أن هذه المنطقة كانت مقرًا للعديد من القنصليات الأجنبية في القرن الثامن عشر.

كل شيء في هذا المتحف الصغير يثير الإعجاب والفخر… حتى العاملين به، معاملتهم طيبة تشعرك أنك تعرفهم من قبل.

انتهت جولتنا بالتجمع حول الأستاذ وأخذ صورة جماعية رفقته، تكفلت بها السيدة المشرفة، التي رحبت بأسئلتنا وأشبعت فضولنا المعرفي بأجوبتها الدقيقة.

انتهى درس الشارع، ولم ينته الفضول المعرفي ولا متعة الدرس. بعد ساعات لم نحس خلالها بالزمن، كانت فرصة تمنى الجميع لو أنها طالت… ليتأكد لنا أن تجربة درس الشارع من أفضل التجارب التعليمية الحديثة، التي يستطيع الطلبة من خلالها حشد أكبر رصيد معرفي، وأنها أسلوب حديث ومبتكر، على وزارة التعليم بالمغرب العمل به وتعميمه حتى نرتقي بالمنظومة التعليمية.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث