الحرب في الشرق الأوسط: هل تتحول دول الخليج إلى وقود الصراع بين أمريكا وإيران؟ - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

الحرب في الشرق الأوسط: هل تتحول دول الخليج إلى وقود الصراع بين أمريكا وإيران؟

Screenshot_20260303_085143_com_twitter_android_GalleryActivity

في مشهد دولي مضطرب، تتسارع الأحداث في الشرق الأوسط لتضع دول الخليج أمام اختبار وجودي حقيقي. فبينما تشن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية ضد إيران، تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في مرمى النيران، تتلقى صواريخ إيرانية على أراضيها بينما تنسحب القوات الأمريكية من قواعدها لحماية إسرائيل، تاركة هذه الدول في حيرة استراتيجية: هل تنجر إلى حرب مدمرة خططت لها واشنطن مسبقاً؟ أم تمتلك القدرة على الصبر والمقاومة والحفاظ على مكتسبات التنمية؟ وفي الوقت الذي كانت الأنظار تتجه نحو فضائح وملفات مسربة، إذا بالبوصلة الإعلامية تتحول فجأة نحو الحرب، تاركة تلك الملفات تطوى في صمت. هذا المقال يحلل بعمق هذه التساؤلات المصيرية.

ازدواجية الدور الأمريكي: حامٍ لإسرائيل ومُعرِّض للخليج للخطر

منذ عقود، تستضيف دول الخليج قواعد عسكرية أمريكية كجزء من اتفاقيات دفاعية استراتيجية. لكن ما كشفته الأحداث الأخيرة يكشف تناقضاً صارخاً في هذه العلاقة. ففي الهجمات الأخيرة، استهدفت إيران قواعد أمريكية في قطر والبحرين والكويت والإمارات، كما طالت بنية تحتية مدنية في هذه الدول .

المفارقة الأكثر إيلاماً لدول الخليج هي أن الرد العسكري الأمريكي على هذه الهجمات لم يأتِ بالصورة المتوقعة. فبدلاً من توفير غطاء دفاعي كامل، تحركت القوات الأمريكية لحماية إسرائيل بشكل أساسي. تقارير ميدانية تشير إلى انسحاب أو إعادة تمركز للقوات الأمريكية من بعض القواعد الخليجية لتتجه نحو مساندة إسرائيل، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الوجود الأمريكي في الخليج يهدف حقاً لحماية هذه الدول أم لحماية المصالح الإسرائيلية على حساب أمنها وسيادتها؟

اللافت أن طهران بررت هجماتها على دول الخليج بوجود هذه القواعد الأمريكية، مما يضع الحلفاء العرب في موقف لا يحسدون عليه: فهم يتعرضون للضرب لأنهم يستضيفون قوات أمريكية، ثم تنسحب هذه القوات تاركة إياهم في مواجهة التداعيات .

دول الخليج بين مطرقة الرد وسندان ضبط النفس

الموقف الخليجي الرسمي كان حذراً ومحكوماً بحسابات دقيقة. فمن جهة، أصدرت الدول الخليجية بيانات تدين الهجمات الإيرانية وتصفها بالانتهاك الصارخ للسيادة، مع تحفظ حق الرد . لكن من جهة أخرى، لم تعلن أي دولة خليجية عن نيتها المشاركة في ضربات انتقامية ضد إيران.

هذا الموقف المتردد يعكس إدراكاً عميقاً لحجم المخاطر. فالدخول في مواجهة مباشرة مع إيران يعني تحويل الصراع من كونه “صراعاً بالوكالة” إلى حرب شاملة تضع منشآت النفط والموانئ والمطارات والبنية التحتية الحيوية في مرمى الصواريخ الإيرانية .

الخبير السعودي هشام الغنام يشير إلى أن “الدول الخليجية لديها الكثير لتخسره – اقتصاداتها، صادراتها النفطية، وخططها التنموية الطموحة – لكي تخاطر بالانجرار إلى حرب أوسع” . هذا التحليل يفسر لماذا تفضل الدول الخليجية، حتى اللحظة، استراتيجية “الحزم في الدفاع، والنشاط على الجبهة الدبلوماسية” على خيار الانتقام العسكري المباشر .

لكن السؤال الأهم: إلى متى يمكن الاستمرار في هذا الموقف؟ فمع استمرار الهجمات الإيرانية وتوسعها لتشمل أهدافاً مدنية، يزداد الضغط الداخلي على الحكومات الخليجية لاتخاذ موقف أكثر حزماً. كما أن تكرار الاعتداءات على السيادة الوطنية سيُفقد هذه الحكومات شرعيتها أمام شعوبها إذا بقيت مكتوفة الأيدي .


هل تتحول الخليج إلى “فوهة بندقية” في صراع أكبر؟

أحد أعمق التحليلات الاستراتيجية يرى أن ما يحدث قد يكون جزءاً من مخطط أمريكي أوسع لإعادة ترتيب المنطقة. فجرّ دول الخليج إلى حرب مع إيران يخدم عدة أهداف:

أولاً، تحويل الصراع من كونه “إسرائيلياً-إيرانياً” إلى “عربياً-إيرانياً”، مما يخفف الضغط عن إسرائيل ويشرك العرب في مواجهة مباشرة مع طهران. ثانياً، تدمير المكتسبات التنموية لدول الخليج التي بدأت تنحو نحو تنويع اقتصاداتها وبناء مراكز مالية وتجارية عالمية، وهو ما قد لا يرغب البعض في استمراره كمنافس اقتصادي في المستقبل .

الكاتب Phar Kim Beng يرى أن إيران قد تكون ارتكبت خطأً استراتيجياً بتوسيع رقعة الصراع لتشمل دول الخليج، لأن ذلك يوحد الموقف الخليجي ضدها ويبرر تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة . لكن نظرة أكثر تشاؤماً قد تقول إن إيران وقعت في الفخ الذي نصبته واشنطن، حيث أصبحت هي من يهاجم الدول العربية، مما يفتح الباب أمام تحالف عربي-إسرائيلي-أمريكي معلن ضدها.

الخيارات الصعبة: الصبر والمقاومة أم الانجرار للحرب؟

أمام دول الخليج معادلة صعبة: الصبر وتحمل الضربات قد يُقرأ كضعف ويشجع إيران على المزيد من التصعيد. أما الرد فيعني الدخول في حرب قد تكون مكلفة جداً.

الخيار الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور هو استمرار استراتيجية “الامتصاص مع التحذير”. أي تحمل بعض الضربات مع تعزيز أنظمة الدفاع الجوي، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد، والعمل من خلال مجلس التعاون الخليجي لتقديم موقف موحد لا يقحمها في مواجهة مباشرة .

لكن هذا الخيار يصبح غير قابل للاستمرار إذا تطورت الهجمات لتسبب دماراً واسعاً أو خسائر بشرية كبيرة. في تلك الحالة، قد تضطر الحكومات الخليجية للرد، ليس فقط دفاعاً عن أراضيها، بل للحفاظ على هيبتها وشرعيتها .

البعد الاقتصادي: الوجه الحقيقي للخطر

ما يجعل الموقف الخليجي أكثر تعقيداً هو البعد الاقتصادي. فالمنطقة تشهد حالياً موجة من الاضطراب في أسواق الطاقة، مع توقعات بارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وتعطل محتمل لحركة الشحن عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية .

شركات الطيران الخليجية، التي استثمرت مليارات الدولارات لتصبح محاور عالمية، تواجه إلغاء آلاف الرحلات. الاستثمارات الأجنبية بدأت تنظر إلى المنطقة كمكان عالي المخاطر. السياحة، التي أصبحت ركيزة أساسية في رؤية السعودية 2030 وخطط الإمارات التنموية، مهددة بالانهيار .

هذه الاعتبارات الاقتصادية تفسر لماذا تنظر دول الخليج إلى الحرب على أنها تهديد وجودي ليس لأمنها فقط، بل لنمط حياتها ولمستقبلها كمراكز اقتصادية عالمية.

التحول الإعلامي: من ملفات سيبيستيان إلى التغطية الحربية

في خضم هذا الصخب، يثير السؤال الأخير في تحليلنا فضولاً عميقاً: كيف تحولت البوصلة الإعلامية فجأة من تغطية فضائح وملفات مسربة (في إشارة إلى قضية سيبيستيان) إلى تغطية حرب شاملة؟

هذا التحول ليس مجرد صدفة إعلامية، بل يعكس قدرة أجندة الحرب على طرد كل ما عداها من الأولويات. فعندما تندلع حرب بهذا الحجم، تجد وسائل الإعلام نفسها مضطرة للتركيز على التغطية المباشرة للصراع، مما يدفع الملفات الأخرى، حتى الأكثر إثارة للجدل، إلى الخلفية.

هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها “استغلال الأزمات لإعادة ترتيب الأولويات”، تتيح للحكومات المعنية فرصة ذهبية لإغلاق ملفات مثيرة للجدل في صمت. فبينما تنشغل وسائل الإعلام والرأي العام بحرب الشرق الأوسط، يمكن تمرير قرارات أو دفن قضايا كانت ستحظى باهتمام كبير في الظروف العادية .

إعادة تشكيل التحالفات: هل تتغير المعادلة الأمريكية-الإسرائيلية؟

في خلفية هذه الأحداث، هناك تطور استراتيجي بالغ الأهمية. تقارير من مجلة The Atlantic تكشف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ الرئيس ترامب بنية إسرائيل البدء في فطام نفسها عن المساعدات العسكرية الأمريكية، التي تبلغ حوالي 3.8 مليار دولار سنوياً .

هذا التحرك الإسرائيلي، الذي قد يبدو مفاجئاً، يعكس تحولين: الأول، ثقة إسرائيل المتزايدة في قدراتها العسكرية والتكنولوجية المحلية. الثاني، إدراك القيادة الإسرائيلية أن الدعم الأمريكي لم يعد مضموناً إلى الأبد في ظل التحولات السياسية والديموغرافية داخل الولايات المتحدة .

تامير هايمان، رئيس سابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، يحذر من أن “الخطر الأكبر ليس صاروخاً لم يتم اعتراضه، بل احتمال أن المظلة الأمريكية لم تعد مضمونة كما كانت” . هذا التحول في العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المشهد، حيث قد تضطر إسرائيل قريباً للاعتماد أكثر على قدراتها الذاتية، مما قد يجعلها أكثر ميلاً للتصعيد بدلاً من الاحتواء.

آفاق المستقبل: نحو شرق أوسط أكثر دموية؟

المؤشرات الحالية لا تبشر بخير. فالتصعيد العسكري مستمر، والخطوط الساخنة بين واشنطن وطهران تبدو معطلة، والدول الأوروبية بدأت تتحرك باتجاه تورط متزايد . أندريه باكلانوف، أستاذ في كلية الاقتصاد العالمي بموسكو، يرى أن “الحرب ضد إيران تصل إلى المستوى الإقليمي”، محذراً من أن الصراع الحالي هو مواجهة مباشرة ليس مع الولايات المتحدة فقط، بل مع أوروبا التي سعت لإضعاف إيران كمنافس جيوسياسي .

في هذا السياق، تبرز تساؤلات حول مستقبل المنطقة برمتها. هل نشهد إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط على أسس جديدة أكثر دموية؟ هل تُضحي الدول الخليجية بمكتسباتها التنموية على مذبح صراع أكبر لا ناقة لها فيه ولا جمل؟ أم أن لديها القدرة على الصمود واستخدام أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية لفرض معادلة مختلفة؟

خاتمة

تقف دسول الخليج اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فمن جهة، الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لجرها إلى مواجهة مع إيران. ومن جهة أخرى، الهجمات الإيرانية المباشرة التي تستفزها للرد. وفي المنتصف، شعوبها ومكتسباتها التنموية التي بنتها بعرق السنوات.

القدرة على الصبر والمقاومة والضغط باتجاه حلول دبلوماسية ليست ضعفاً، بل ربما تكون الحكمة المطلوبة في لحظة تاريخية بالغة التعقيد. فهل تمتلك القيادات الخليجية هذه الحكمة والقدرة على حماية مصالحها بعيداً عن حسابات القوى الكبرى؟ وهل تستطيع المنطقة تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون نهايتها كارثية على الجميع، منتصرين ومهزومين؟

الأيام القادمة، وربما الأسابيع، ستحمل الإجابة عن هذه الأسئلة المصيرية.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث