عرفت مدينة المحمدية تنظيم قافلة نفسية وطبية واجتماعية لفائدة الأشخاص في وضعية تشرد يوم السبت 03 يناير 2026، وذلك في إطار الحملة الوطنية لمساعدة الأشخاص بدون مأوى خلال موجة البرد القارس. وقد جاءت هذه المبادرة الإنسانية استجابةً لحاجة ميدانية ملحّة، تنطلق من وعي جماعي بأن الرعاية النفسية والاجتماعية والصحية تشكل أساسًا لا غنى عنه في حماية الفئات الهشة وصون كرامتها الإنسانية.
وقد نُظّمت هذه القافلة من طرف رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بشراكة مع المديرية الإقليمية للتعاون الوطني بالمحمدية، وبتنسيق مع خلية المساعدة الاجتماعية، وتحت إشراف السيد المدير الإقليمي، وبتعاون مع جمعية الإمام مالك، وبشراكة معنوية مع المجلس العلمي المحلي لمدينة المحمدية، بحضور السيد رئيس المجلس، وتحت إشراف منسقة خلية الأعمال الاجتماعية والخيرية التابعة للمجلس العلمي. ويعكس هذا التنسيق المتعدد الأطراف انخراطًا مؤسساتيًا جادًا في مقاربة شمولية للهشاشة، تقوم على التكامل بدل التجزيء، وعلى الفعل الميداني بدل الاكتفاء بالخطاب.
وقد استهدفت القافلة المستفيدين من مركز إيواء الأشخاص في وضعية تشرد بمدينة المحمدية، حيث تم الاشتغال داخل فضاء الإيواء نفسه، بما يحمله من دلالات رمزية قوية، تجعل من المكان مجالًا للرعاية والاحتواء بدل أن يكون مجرد مأوى مؤقت. وقد تم التعامل مع المستفيدين باعتبارهم ذواتًا لها تاريخ نفسي واجتماعي، لا أرقامًا ضمن لوائح اجتماعية، وهو ما منح للتدخل طابعًا إنسانيًا عميقًا.
وشملت القافلة تنظيم تدخلات متكاملة في الدعم النفسي، والمصاحبة الاجتماعية، والتوجيه الطبي العلاجي، حيث تم الإصغاء للمعاناة، ومرافقة الحالات، وتقديم الاستشارات الطبية اللازمة، في تصور يعترف بأن الألم النفسي والاجتماعي غالبًا ما يكون غير مرئي، لكنه يترك أثرًا بالغًا في توازن الأفراد وقدرتهم على إعادة بناء ذواتهم. وقد انصبت هذه التدخلات على التخفيف من المعاناة النفسية والاجتماعية، ودعم الاستقرار النفسي والعاطفي، وتعزيز إمكانيات الإدماج وإعادة الإدماج داخل المجتمع.
ولضمان جودة هذه التدخلات، تم تجنيد اثنين وعشرين إطارًا متخصصًا، ضمّوا أخصائيين نفسانيين إكلينيكيين، ومساعدين اجتماعيين، وطبيبتين نفسانيتين، إلى جانب طبيب عام ذي خبرة، اشتغلوا بروح مهنية عالية، وبتكامل واضح بين الاختصاصات، واضعين خبراتهم العلمية والعيادية في خدمة المستفيدين، مع احترام خصوصياتهم النفسية والاجتماعية وظروفهم الإنسانية.
كما ساهمت جمعية الإمام مالك بشكل فعّال في إنجاح هذه المبادرة من خلال اقتناء وتوزيع ملابس شتوية للوقاية من قسوة البرد، وتقديم وجبات غذائية لفائدة نزلاء مركز الإيواء، إلى جانب مبادرات تضامنية أخرى هدفت إلى تحسين ظروف العيش وتعزيز الإحساس بالاحتواء والرعاية. وقد شكّل هذا البعد التضامني امتدادًا عمليًا للتدخل النفسي والاجتماعي، بما يؤكد أن العناية بالإنسان لا تكتمل إلا بتكامل الأبعاد النفسية والمادية معًا.
وتؤكد هذه القافلة أن العمل الإنساني الفعّال لا يقوم على التدخلات الظرفية المعزولة، بل على شراكات واعية، وتنسيق مؤسساتي، ورؤية شمولية تعترف بأن الصحة النفسية ركيزة أساسية للاستقرار الفردي والاجتماعي. كما تحمل هذه المبادرة رسالة واضحة مفادها أن كرامة الإنسان ثابتة لا تتجزأ، وأن الاهتمام بالفئات الهشة مسؤولية جماعية تتطلب حضورًا ميدانيًا، وإنصاتًا حقيقيًا، واستمرارية في الفعل.
من المحمدية، تم تأكيد أن الإنسانية لا تُقاس بالشعارات، بل بمدى القرب من الألم، وبالقدرة على تحويل الالتزام الأخلاقي إلى تدخل ملموس يعيد للإنسان ثقته بذاته وبالمجتمع.


Comments
0