مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية والجماعية لسنة 2026، تعود مسألة المشاركة السياسية إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب، في ظل معطيات وإحصائيات حديثة تكشف عن تراجع ملحوظ في الإقبال على التسجيل والمشاركة الانتخابية، مقابل بوادر وعي رسمي وحزبي بضرورة إعادة الثقة وتحفيز المواطنين، خصوصاً فئة الشباب.
قاعدة انتخابية مستقرة عددياً… لكنها تتقلص دينامياً
أظهرت نتائج المراجعة السنوية للوائح الانتخابية إلى غاية يناير 2026 أن العدد الإجمالي المؤقت للمسجلين بلغ حوالي 16.5 مليون ناخب وناخبة، موزعين بنسبة 54% من الذكور و46% من الإناث، مع تمركز نسبي في الوسط الحضري (55%) مقابل 45% في الوسط القروي.
غير أن القراءة المتأنية للأرقام تكشف مفارقة لافتة؛ إذ تم شطب حوالي 1.4 مليون اسم من اللوائح لأسباب إدارية وطبيعية، في مقابل تسجيل 382 ألف ناخب جديد فقط، ما يعني أن عدد المشطب عليهم يفوق المسجلين الجدد بأكثر من ثلاث مرات، وهو ما يعكس تباطؤاً في تجدد الهيئة الناخبة.
أزمة ثقة… ولكن دون قطيعة نهائية
يربط متابعون هذا العزوف النسبي بأزمة ثقة متواصلة في الفاعل الحزبي، حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “سينورجيا” أن حوالي 80% من المواطنين غير راضين عن أداء الأحزاب السياسية، وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 85% لدى فئة الشباب.
ورغم ذلك، لا تعكس هذه الأرقام قطيعة كاملة مع المسار الانتخابي، إذ صرّح 61% من المستجوبين بنيتهم المشاركة في انتخابات 2026، وهي نسبة تنخفض وسط الشباب (25–34 سنة) إلى 46%، ما يؤكد أن التحدي ليس في الرفض بقدر ما هو في الإقناع واستعادة الثقة.
التسجيل الإلكتروني… رافعة جديدة للمشاركة
في هذا السياق، كشف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، خلال جلسة برلمانية بمجلس المستشارين يوم 13 يناير 2026، أن ثلثي المسجلين الجدد اختاروا التسجيل الإلكتروني عبر المنصة الرسمية، وهو مؤشر إيجابي على انخراط فئات جديدة، خاصة الشباب، في الوسائل الرقمية.
وأكد الوزير أن الوزارة تعتزم إطلاق حملة إعلامية وتواصلية واسعة خلال المرحلة المقبلة، بهدف تشجيع غير المسجلين على الانخراط في العملية الانتخابية، مع التركيز على تبسيط المساطر وتعزيز الوعي بأهمية المشاركة.
مشاركة مغاربة العالم… ملف مفتوح
من جهة أخرى، لا تزال مشاركة المغاربة المقيمين بالخارج تطرح إشكالات تنظيمية وقانونية، في ظل تعقيد التصويت بالوكالة وغياب آليات حديثة كالتصويت الإلكتروني، ما يحد من تمثيلية هذه الفئة، رغم وزنها الديموغرافي والاقتصادي.
نقاش قانوني ومبادرات إصلاحية
بالتوازي مع ذلك، يشهد الفضاء السياسي نقاشاً متزايداً حول إصلاح المنظومة الانتخابية، من بينها مقترح التصويت الإلزامي، والدعوة إلى التسجيل التلقائي للمواطنين عند بلوغ سن الرشد أو عند الحصول على البطاقة الوطنية، إضافة إلى الجدل المثار حول بعض المقتضيات القانونية المرتبطة بمحاربة الأخبار الزائفة وضمان نزاهة الانتخابات.
الشباب في قلب المعادلة
تؤكد مختلف المؤشرات أن مستقبل المشاركة السياسية بالمغرب يمر عبر بوابة الشباب، حيث أبدى 77% من الفئة العمرية 18–24 سنة استعدادهم للمشاركة بشكل أكبر في حال اعتماد التصويت الإلكتروني، ما يفتح الباب أمام حلول مبتكرة قادرة على تجديد الثقة وربط السياسة بانتظارات الجيل الجديد.
خلاصة
رغم التحديات التي تكشفها الأرقام، فإن الاستحقاقات المقبلة تشكل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للفعل الانتخابي، شريطة تضافر جهود الدولة، والأحزاب، والمجتمع المدني، من أجل تحويل العزوف إلى مشاركة واعية، وجعل الانتخابات لحظة ديمقراطية تعكس فعلاً إرادة المواطنين وتطلعاتهم.


Comments
0