جريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

جريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية

images (11)

شهد العالم خلال العقود الأخيرة ثورة رقمية غيرت بشكل جذري أساليب التواصل ونشر المعلومات، حيث أصبحت الشبكات الاجتماعية والوسائط الإلكترونية من أبرز الأدوات التي يعتمد عليها الأفراد للتعبير عن آرائهم وتقاسم أخبارهم والتفاعل مع محيطهم، غير أن هذا التحول الرقمي، بالرغم من إيجابياته الكثيرة، أفرز أنماطا جديدة من السلوكيات الإجرامية التي لم تكن معروفة بالحدة نفسها في السابق ومن أبرزها جريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية.

فالتشهير الذي كان في الماضي يقتصر على وسائل الإعلام التقليدية كالصحافة المكتوبة أو الخطب العلنية، صار اليوم يتخذ أبعادا أخطر وأكثر تأثيرا بفعل سرعة انتشار المحتوى الرقمي، وسهولة إعادة مشاركته، وإمكانية الاحتفاظ به لسنوات طويلة، مما يجعل أثره على الضحية مضاعفا.إذ يكفي نشر تدوينة أو صورة مقطع مرئي ماس بسمعة شخص ما حتى تنتشر بسرعة هائلة على نطاق واسع، وهو ما يلحق بالضحية أضرارا نفسية واجتماعية ومهنية يصعب تداركها.

وفي هذا الإطار برزت إشكالية قانونية محورية تتعلق بكيفية التوفيق بين حماية الحق في الشرف والسمعة باعتباره حقا دستوريا مضمونا، وبين حرية الرأي والتعبير باعتباره من الحقوق الأساسية التي تحميها المواثيق الدولية والدساتير الوطنية. وهو ما دفع المشرع المغربي إلى التدخل لإعادة صياغة مجموعة من النصوص القانونية، سواء في القانون الجنائي أو عبر قوانين خاصة، مثل القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء والقانون 07.03 المتعلق بالمس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، قصد تجريم التشهير الإلكتروني ووضع عقوبات ملائمة له.

غير أن التطبيق العملي لهذه النصوص يثير تحديات متعددة، سواء على مستوى إثبات الفعل الجرمي في ظل الطابع الرقمي المتغير والدائم التطور، أو على مستوى تحديد الاختصاص القضائي عندما يتعلق الأمر بوسائط ومنصات عابرة للحدود، إضافة إلى إشكالية التمييز بين النقد المشروع والتشهير المجلرم.

إشكالية الموضوع

إلى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال تجريم التشهير عبر النظم المعلوماتية أن يوفر حماية فعالة لحقوق الأفراد، مع مراعاة التوازن مع حرية التعبير؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية عدة تساؤلات فرعية:

ما المقصود بالتشهير عبر النظم المعلوماتية وماهي عناصره المميزة؟

كيف تعامل المشرع المغربي مع هذه الجريمة مقارنة مع التشريعات المقارنة؟

ما أبرز التحديات العملية التي تواجه مكافحة هذا النوع من الجرائم؟

ما هي الآليات والحلول الممكنة لتعزيز الحماية القانونية في مواجهة التشهير الإلكتروني؟

أهمية الموضوع

تتجلى أهمية دراسة جريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية في كونها من الجرائم المستحدثة التي أفرزها التطور التكنولوجي والانتشار الواسع للوسائط الرقمية، مما يفرض على القانون مواكبة هذا التحول. وتبرز أهميتها على عدة مستويات:

أهمية نظرية: إغناء الفكر القانوني ببحث حول مدى كفاية النصوص الجنائية التقليدية في مواجهة هذه الجريمة الرقمية.

أهمية عملية: لفت الانتباه إلى خطورة التشهير الإلكتروني على الأفراد والمجتمع، لما يسببه من أضرار نفسية واجتماعية واقتصادية يصعب تداركها.

أهمية حقوقية: تعزيز حماية الحقوق الأساسية للأفراد في مواجهة الاعتداءات على السمعة والشرف، مع الموازنة بين ذلك وبين حرية التعبير.

أهمية دولية: إبراز الحاجة إلى تعاون دولي وتشريعي لمكافحة هذه الجريمة العابرة للحدود.

أهداف الموضوع

تتجلى أهداف الموضوع في توضيح المفهوم القانوني للتشهير الإلكتروني والتمييز بينه وبين جرائم مشابهة وتحليل الإطار القانوني المغربي لهذه الجريمة وكذلك دراسة أركان الجريمة وشروط تحققها ومقارنة التشريع المغربي بالتجارب الدولية في مواجهة التشهير الإلكتروني، إضافة إلى رصد التحديات العملية والإشكالات القضائية والإجرائية، واقتراح حلول عملية وتشريعية لتعزيز الحماية القانونية.

المنهج المعتمد

يعتمد البحث على المنهج التحليلي المقارن من خلال تحليل النصوص القانونية المغربية ومقارنتها بالتجارب الدولية.

دواعي اختيار الموضوع

لقد جاء اختيار هذا الموضوع لعدة دوافع:

الواقع العملي: زيادة ملحوظة في قضايا التشهير الإلكتروني في المجتمع المغربي والعالمي

قصور النصوص التقليدية: النصوص الجنائية التقليدية لم تعد كافية لمواكبة التطورات التكنولوجية

الحاجة الاكاديمية : دراسة هذا الموضوع تساعد في إثراء الفقه القانوني المغربي وتقديم مقترحات لتحسين التطبيق العملي للقانون

البعد الحقوقي: ضمان حماية حقوق الأفراد في الشرف والكرامة مع احترام حرية التعبير

خطة البحث

لمعالجة هذا الموضوع ارتأينا تقسيمة كالآتي

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني لجريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية

المبحث الثاني: السياسة الجنائية والإشكالات العملية لجريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني لجريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية

المطلب الأول: المفهوم القانوني للتشهير الإلكتروني وتمييزه عن الجرائم المشابهة

أولا:مفهوم التشهير الإلكتروني

المشرع المغربي لم يقدم تعريفا صريحا لمفهوم التشهير الإلكتروني في نصوصه القانونية، وإنما نص على تجريمه من خلال وصف الأفعال التي تمس بالسمعة والشرف عبر الوسائط الرقمية.

فإن القانون الجنائي المغربي من خلال المواد 447-1 إلى 447-3 يجرم كل فعل يتعلق ب:

التقاط أو تسجيل أو نشر أقوال أو صور شخصية دون موافقة صاحبها،و توزيع أو بث هذه المعطيات بنية الإضرار بالمجني عليه، واستخدام الوسائط الرقمية في ارتكاب هذه الأفعال مع تشديد العقوبة في بعض الحالات.

وبالتالي التشهير الإلكتروني مفهوم مستنتج من النصوص الجزائية وليس تعريفا صريحا، ويعتمد على طبيعة الفعل والوسيلة المستعملة ( النظام المعلوماتي أو الوسائط الرقمية).

ويتميز التشهير الإلكتروني عن الجرائم التقليدية بالسمات التالية:

السرعة والانتشار: يمكن للمحتوى الانتشار بشكل واسع جدا في وقت قصير، مما يزيد الضرر على المجني عليه.

الفضاء الرقمي العابر للحدود: يمكن أن يصل المحتوى إلى جمهور عالمي دون أن يقتصر على نطاق جغرافي محدد.

صعوبة السيطرة على المحتوى: صعوبة حذف المحتوى الرقمي بعد نشره، مقارنة بالسب والقذف التقليدي.

ثانيا: التمييز بين التشهير الإلكتروني والجرائم المشابهة

لم يعرف المشرع المغربي التشهير الإلكتروني تعريفا صريحا في نصوصه القانونية، وإنما اعتمد على تجريم الأفعال المادية التي تمس بالسمعة والشرف عبر الوسائط الرقمية، كما ورد في المواد 447-1 إلى 447-3 من القانون الجنائي، التي تنص على تجريم التقاط أو تسجيل أو نشر أقوال أو صور شخصية دون موافقة صاحبها، وتوزيع أو بث هذه المعطيات بنية الإضرار بالمجني عليه، مع تشديد العقوبة إذا ارتكبت الجريمة بواسطة النظام المعلوماتي أو من طرف الزوج أو الطليق. ويتميز التشهير الإلكتروني عن الجرائم التقليدية المشابهة مثل السب والقذف والإهانة بعدة خصائص قانونية مهمة، أولها أن السب يقتصر على استخدام ألفاظ أو عبارات جارحة بهدف الإهانة، في حين أن التشهير الإلكتروني يعتمد على الوسائط الرقمية التي تسمح بالانتشار السريع والكبير للمحتوى، ما يزيد من الضرر على المجني عليه. كما يختلف عن القذف الذي يتعلق بنسب وقائع أو أفعال مشينة أو غير صحيحة إلى شخص، إذ يمكن أن يشمل التشهير الإلكتروني القذف أو الإهانة أو نشر صور شخصية عبر الوسائط الرقمية، مما يجعل الضرر أكثر انتشارا وصعوبة للرقابة، على عكس الإهانة التقليدية التي تظل محصورة نسبيا.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار التشهير الإلكتروني جريمة مستحدثة ينبني على الوسيلة الرقمية، ويخضع للتجريم وفق النصوص المغربية، مع تحديد الركن المعنوي والمادي اعتمادا على قصد الإضرار عبر الوسائط الرقمية. وتكمل التجربة الدولية الصورة، إذ ينص قانون الصحافة الفرنسي على عقوبات تصل إلى سنة حبس وغرامة مالية مع الاعتراف بالأدلة الرقمية، في حين يلزم الاتحاد الأوروبي المنصات الرقمية بحذف المحتوى المسيء فورا وفق Digital Services Act، ويضع القانون المصري رقم 175 لسنة 2018 عقوبات خاصة بالتشهير الإلكتروني مع حماية القيم الأسرية والاجتماعية، مما يظهر أهمية الجمع بين العقوبة الجنائية ومسؤولية المنصات الرقمية لضمان فعالية مكافحة التشهير الإلكتروني، وهو ما يمثل نموذجا يمكن أن يستفيذ منه المشرع المغربي لتعزيز حماية الأفراد في البيئة الرقمية.

المطلب الثاني: الإطار القانوني لجريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية

أولا: التنظيم القانوني الوطني لجريمة التشهير الإلكتروني

المقتضيات الجنائية الخاصة بالتشهير الإلكتروني

أخل المشرع المغربي بموجب القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، تعديلات مهمة على القانون الجنائي، من بينها إضافة الفصول 447-1 إلى 447-3 ، ويعتبر الفصل 447-2 المرجعية الأساسية في تجريم التشهير عبر النظم المعلوماتية، حيث يعاقب بالحبس والغرامة كل من قام عمدا، وبأي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، ببث أو توزيع أقوال أو صور أو تسجيلات صوتية أو وقائع شخصية دون موافقة أصحابها، متى كان من شأن ذلك المساس بالحياة الخاصة أو التشهير بالغير. ويظهر من خلال هذا النص أن المشرع اعتمد صياغة واسعة تشمل مختلف أشكال المحتوى الرقمي (صور، فيديوات،….)، وهو ما يعكس إدراكه للتطور التكنولوجي وتعدد الوسائط المستعملة في التشهير.

العلاقة بين التشهير الإلكتروني وقانون الصحافة والنشر

رغم أن القانون الجنائي يشكل الأساس في مكافحة التشهير عبر الوسائط الرقمية، فإن قانون الصحافة والنشر لسنة 2016 يتضمن بدوره مقتضيات ذات صلة، لاسيما في الباب المتعلق بالقذف والسب العلني. غير أن الاختلاف الجوهري بين القانونين يكمن في نطاق التطبيق، فإذا كان قانون الصحافة يطبق أساسا على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية الخاضعة للترخيص، فإن القانون الجنائي يطبق على كافة الأشخاص الذين يستعملون الوسائط المعلوماتية، سواء كانوا صحفيين أم لا. وهكذا تتداخل النصوص أحيانا، الأمر الذي يثير إشكالات عملية تتعلق بازدواجية المتابعة وتحديد القانون الواجب التطبيق.

ثانيا: التنظيم القانوني المقارن لجريمة التشهير

التشريع المقارن

أولى المشرع الفرنسي اهتماما مبكرا لموضوع التشهير الإلكتروني، حيث اعتبره امتدادا لجريمة القذف والسب العلني المنصوص عليها في القانون 29 يوليوز 1881 بشأن حرية الصحافة، مع توسيع نطاقها لتشمل النشر عبر الوسائط الرقمية. وقد كرست محكمة النقض الفرنسية هذا الاتجاه في عدة قرارات، معتبرة أن تغريدة على “تويتر” أو منشورا على “فيسبوك” يدخلان في حكم العلانية الموجبة للمساءلة. أما المشرع المصري فقد أدخل تعديلات على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لسنة 2018، ونص صراحة على تجريم كل من يسيء استعمال التكنولوجيا للإساءة إلى سمعة الغير أو التشهير بهم. وفي تونس ينص القانون الأساسي عدد 63 لسنة 2004 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية على منع استعمال المعطيات لأغراض تمس بكرامة الأفراد أو اعتبارهم، مع عقوبات جنائية تكميلية.

المرجعية الدولية

على المستوى الدولي، نصت المادة 17 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أنه “لا يجوز تعريض أي شخص على نحو تعسفي أو غير قانوني لتدخل في حياته الخاصة أو مساس بشرفه وسمعته”، وهو ما يعد أساسا قانونيا عاما لمناهضة التشهير الإلكتروني. كما أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان كرست في عدة قرارات مبدأ التوازن بين حرية التعبير والحق في السمعة، ومن ذلك قضية (2005) Delfi AS V ,Estonia التي اعتبرت أن المنصات الإلكترونية مسؤولة عن المحتوى التشهيري المنشور من قبل المستخدمين إذا لم تتخذ التدابير اللازمة لمنعه أو سحبه. هذه الاجتهادات القضائية تعكس توجها دوليا نحو اعتبار التشهير الإلكتروني اعتداء خطيرا على الحقوق الشخصية، بما يفرض على التشريعات الوطنية التكيف مع هذه المعايير الدولية.

 

المبحث الثاني: السياسة الجنائية والإشكالات العملية لجريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية

رغم وضوح توجه المشرع المغربي نحو تجريم أفعال التشهير عبر الوسائط الرقمية، سواء من خلال مقتضيات القانون الجنائي أو عبر إدخال تعديلات بموجب القانون 07.03 المتعلق بالجريمة المعلوماتية، فإن الممارسة العملية كشفت عن صعوبات متعددة تحد من فعالية السياسة الجنائية في هذا المجال. وتتنوع هذه الصعوبات بين ما هو تقني وإثباتي، وما يرتبط بآليات التنفيذ، إضافة إلى الإشكالات ذات البعد الدولي الناتجة عن الطبيعة العابرة للحدود للفضاء الرقمي.

المطلب الأول: الاشكالات المرتبطة بالإثبات

يعد الإثبات الجنائي الركيزة الأساسية لإقرار العدالة الجنائية، غي أن جريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية تطرح خصوصيات بالغة التعقيد في هذا المجال، بالنظر إلى طبيعتها غير المادية، واعتمادها على الفضاء الرقمي كوسيط أساسي لارتكاب الفعل. ويمكن تفصيل أهم هذه الإشكالات على النحو الآتي:

صعوبة التحقق من هوية الجاني

تحديد هوية مرتكب الجريمة التشهير يمثل العائق الأكبر أمام أجهزة العدالة الجنائية، فالجاني يمكن أن يلجأ إلى:

الحسابات الوهمية التي تنشأ بأسماء غير حقيقية وهو ما يعيق نسبة الفعل إلى شخص محدد.

الوسائط التقنية لإخفاء الهوية مثل استعمال الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) أو الخوادم الوسيطة (Proxy) أو تقنية Tor ، مما يجعل تعقب مصدر النشر مهمة معقدة تتطلب تعاونا دوليا مع مزودي خدمة الإنترنيت.

إعادة النشر المتعدد (Share/Repost) :إذ يمكن أن يعاد نشر المحتوى التشهيري مئات المرات من طرف مستخدمين آخرين، مما يطرح إشكالية تحديد المسؤولية الجنائية: هل تنحصر على الناشر الأصلي، أم تشمل من ساهم في إعادة التوزيع؟

إشكالية حجية الأدلة الرقمية

الأدلة الرقمية تختلف عن الأدلة المادية التقليدية، فهي عرضة للتغيير أو التلاعب بسهولة. وهنا يثور التساؤل حول مدى حجيتها أمام القضاء الجنائي:

لقطات الشاشة(Screenshots) : كثيرا ما يعتمد الضحايا عليها لإثبات التشهير، غير أن المحاكم قد تتردد في قبولها لكونها قابلة للتعديل ببرامج التحرير الرقمي.

التوقيع الرقمي والرسائل الإلكترونية: رغم ان القانون 53.03 اعترف بها كوسيلة إثبات، إلا أن التطبيق العملي لا يزال يعرف تباينا في مدى قبولها كأدلة جنائية قطعية

البيانات المخزنة على خوادم أجنبية: في حالات عديدة تكون الأدلة محفوظة على خوادم خارج المغرب، مما يستدعي اللجوء إلى آليات التعاون القضائي الدولي التي تستغرق وقتا طويلا

المطلب الثاني: الإشكالات المرتبطة بالتنفيذ والبعد الدولي في جريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية

لا تقف تحديات السياسة الجنائية في مجال مكافحة جريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية عند حدود الإثبات فقط، بل تمتد إلى مرحلة تنفيذ الأحكام القضائية وما يرافقها من صعوبات، خصوصا عندما تأخذ الجريمة بعدا عابرا للحدود بفعل الطبيعة اللامادية للشبكات الرقمية.

الإشكالات المرتبطة بالتنفيذ الوطني

تنفيذ الأحكام الصادرة في قضايا التشهير الإلكتروني يواجه عقبات متشعبة:

إزالة المحتوى المشهر: حتى بعد صدور حكم قضائي، فإن إزالة المحتوى التشهيري من المنصة الرقمية قد لا يتم بسهولة، خصوصا إذا كانت المنصة أجنبية أو لا تتجاوب مع السلطات الوطنية.

إعادة النشر المستمر: تنفيذ الحكم لا يضمن وقف الضرر، إذ يمكن أن يعاد نشر نفس المحتوى من حسابات جديدة، ما يجعل التنفيذ غير فعال علميا.

مسؤولية مزودي الخدمة: يطرح التساؤل حول مدى إلزامية مزودي خدمات الإنترنيت أو المنصات الرقمية بتنفيذ الأوامر القضائية المتعلقة بحذف أو حجب المحتوى، خاصة في ظل غياب إطار تشريعي صريح يحدد نطاق هذه المسؤولية.

الإشكالات ذات البعد الدولي

تأخذ هذه الجرائم بعدا دوليا بمجرد نشر المحتوى على شبكة الإنترنيت، وهو ما يثير عدة تحديات:

تعدد الاختصاص القضائي: المنشور التشهيري قد يكون صادرا من بلد، منشورا خوادم موجودة في بلد ثاني، وموجها إلى ضحية مقيمة في بلد ثالث. هذا التشابك يجعل من الصعب تحديد المحكمة المختصة والقانون الواجب التطبيق.

صعوبة تنفيذ الأحكام خارج الحدود: حتى إذا صدر حكم عن محكمة مغربية يقضي بحذف المحتوى أو تعويض الضحية، فإن تنفيذ في دولة أجنبية يتطلب المرور عبر آليات الاعتراف المتبادل وتنفيذ الأحكام الأجنبية، وهي مسطرة بطيئة ومعقدة.

تباين التشريعات الوطنية: مفهوم التشهير وحدوده يختلف من دولة إلى أخرى، فبينما يعتبر منشور معين تشهيرا في المغرب، قد يدخل في نطاق حرية التعبير في دولة أخرى، وهو ما يضعف إمكانية التعاون الدولي في التنفيذ.

غياب اتفاقيات دولية مخصصة: رغم وجود اتفاقية بودابست لسنة 2001 بشأن الجرائم المعلوماتية، إلا أن نطاقها لا يغطي بشكل كاف إشكالات التشهير الإلكتروني، ولا يلزم جميع الدول بالتعاون الفعال في مجال إزالة المحتوى أو تبادل الأدلة الرقمية.

التداخل بين التنفيذ الوطني والدولي

يمثل تنفيذ الأحكام القضائية في جرائم التشهير الإلكتروني إشكالا جوهريا، إذ يكشف عن حدود فعالية السياسة الجنائية الوطنية أمام طبيعة الفضاء الرقمي العابر للحدود. فالأحكام الصادرة في المغرب تلزم أساسا الأشخاص الخاضعين لولايته، غير أن المشكلة تبرز حين يكون المحتوى مستضافا على منصات أجنبية، أو الجاني مقيما خارج التراب الوطني، مما يجعل التنفيذ رهينا بآليات التعاون الدولي.

هذا الوضع يثير عدة صعوبات: أولها إزالة المحتوى المشهر التي قد تتعطل بفعل رفض أو بطء تجاوب المنصات العالمية، وثانيها إعادة النشر المستمر الذي يفرغ التنفيذ من أثره، ثم إشكالية مسؤولية مزودي الخدمة في غياب نصوص تشريعية صريحة. أما على المستوى الدولي، فالتنفيذ يتعثر بسبب تعدد الاختصاص القضائي وتباين التشريعات في تعريف التشهير، فضلا عن بطء مساطر المساعدة القضائية واعتراف الأحكام الأجنبية، وهو ما يؤدي عمليا إلى تنفيذ جزئي أو ناقص للأحكام الوطنية.

هذا التداخل ينعكس سلبا على الضحايا الذين يستمرون في المعاناة رغم صدور أحكام لفائدتهم، ويضعف من القيمة الردعية للسياسة الجنائية. ومن ثم فإن تجاوزه يستلزم حلولا عملية، من بينها: إبرام اتفاقيات دولية متخصصة، وتطوير آليات تقنية لحجب المحتوى، فضلا عن تعزيز التعاون القضائي والدبلوماسية الجنائية.

يتضح مما سبق أن جريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية لم تعد مجرد سلوك فردي معزول، بل أضحت ظاهرة اجتماعية وقانونية معقدة بفعل الانتشار الواسع لتقنيات الاتصال الرقمي وسهولة استعمال. فهي جريمة تقوم على المساس بالاعتبار والسمعة في فضاء مفتوح وعابر للحدود، مما يجعل آثارها أكثر خطورة وأشد ضررا من التشهير التقليدي.

وقد أبانت الدراسة أن السياسة الجنائية المغربية، رغم إدراجها مقتضيات قانونية لمواجهة هذا الفعل لا تزال تصطدم بجملة من التحديات، أهمها صعوبة الإثبات في ظل الطبيعة غير المادية للأدلة الرقمية، ومعضلة تنفيذ الأحكام الوطنية أمام منصات أجنبية لا تخضع للولاية القضائية المحلية، إضافة إلى البعد الدولي للجريمة وما يثيره من تضارب في الاختصاصات وتباين في تعريف التشهير بين الأنظمة القانونية.

وعليه فإن مواجهة هذه الجريمة تستوجب مقاربة شمولية تقوم على ثلاث مستويات:

تشريعيا: عبر تحديث المنظومة الجنائية بما يضمن وضوح التجريم وتكريس حجية الأدلة الرقمية وتحديد مسؤولية مزودي الخدمة.

مؤسساتيا: من خلال تمكين القضاء والشرطة من آليات تقنية وخبرة متخصصة للتعامل مع الجرائم المعلوماتية.

دوليا: عبر تعزيز التعاون القضائي وتوقيع اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف لتسهيل جمع الأدلة وتنفيذ الأحكام العابرة للحدود.

إن جريمة التشهير عبر النظم المعلوماتية تعكس في جوهرها الصراع القائم بين حرية التعبير وواجب احترام الحياة الخاصة والكرامة الإنسانية، وهو ما يجعلها رهينة بتوازن دقيق بين حماية الحقوق الفردية وضمان الفعالية الجنائية، ومن ثم فإن تطوير السياسة الجنائية في هذا المجال لم يعد خيارا، بل ضرورة ملحة تفرضها التحولات التكنولوجية المتسارعة.

لائحة المراجع:

علال فالي، خصوصية الجريمة المعلوماتية، مقال بمجلة القضاء التجاري الثاني، الرباط 2013

خالد ممدوح إبراهيم، أمن الجريمة الإلكترونية. الدار الجامعية- الإسكندرية 2008

عبد الصبور عبد القوي على مصري، المحكمة الرقمية والجريمة المعلوماتية، مكتبة القانون والاقتصاد، الرياض، طبعة الأولى 2012

محمد جوهر : خصوصيات زجر الإجرام المعلوماتي المجلة المغربية للقانون والاقتصاد والتدبير العدد 52، 2006

خالد عثماني مكافحة الجريمة الالكترونية في ضوء التشريع المغربي، مجلة العلوم الجنائية

Mohamed ouzgane la criminalite informatique au regard du droit penal marocain ,centre marocain des etudes juridiques , hommage,au professeur jallal essaid tome 2005

عبيد صالح حسن، سياسة المشرع الإماراتي لمواجهة الجرائم الإلكترونية دورية الفكر الشرطي، المجلد الرابع والعشرون العدد الرابع العدد رقم 95 أكتوبر 2015 م الإمارات العربية المتحدة

بهيجة فردوس، مسؤولية المعشر في القانون المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق الدار البيضاء السنة الجامعية 2002/2003

أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة سنة 2012

مصطفى سمارة، الجريمة الالكترونية مجلة المعلوماتية العدد 29 سنة 2008

عبد الله عبد الكريم جرائم المعلوماتية والإنترنيت- الجرائم الإلكترونية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت الطبعة 2011 حسين ابراهيم الخليل تطبيقات قضائية على جريمة الإزعاج المتعمدة عن طريق وسائل الاتصالات الحديثة، منشورات دار الفكر والقانون المنصورة 2015

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث